يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
( من الآية 1 سورة التحريم )
وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد حرّم أمورا على نفسه ، ولم يحرمها على الناس ، وهنا يوضح له الحق : لا تحرم على نفسك ما أحللت لك . إذن هذا أمر لمصلحة الرسول . وعندما جاء زيد بن حارثة ليخير بين أن يكون مع رسول اللّه كعبد له ، وأن يكون مع أهله ، آثر زيد رسول اللّه ، فكافأه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن جعله في مقام الابن ، وكان التبني معروفا عند العرب ، ونادى الناس زيدا بزيد بن محمد ، فلما أراد اللّه أن يبطل التبني قال :
( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) .
وكلمة « أقسط » تعنى أعدل ، ومعناها أن القسط أيضا في دائرة العدل . وعندما يقال : فلان له القسط ، أي له العدل . إذن فالقسط أولا لرسول اللّه ، والأكثر قسطا هو حكم اللّه ، فكأنك يا محمد قمت بالقسط عند البشر ، ولكن اللّه يريد لك الأقسط .
إذن فقوله الحق سبحانه :
( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) .
هو قول لا يستدرك عليه من مخالف لمنهج الإسلام ، فإذا ما قال مخالف لمنهج الإسلام : إن اللّه يصوب لمحمد ، فكيف لا ينطق محمد عن الهوى ؟ . نقول : وهل تعرف معنى الهوى ؟ إن الحكم بالهوى يعنى أنّه وجد حكما للّه فيعدل الحكم لهواه ، ولم يحدث ذلك من سيدنا ومولانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكل تصويب من اللّه لم يأت على لسان رجل آخر ، إنما جاء على لسان رسول اللّه نفسه . وهذه هي منتهى الأمانة في البلاغ عن اللّه .
والحق يقول عن بني إسرائيل :
« كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ »
إذن فهم فريقان : منهم من لا يقبل على الإيمان بالمنهج لهوى في نفسه فيكذب . ومنهم من تمتلئ نفسه باللدد وشدة الخصومة على الرسول ، ويخشى أن يحيا الرسول لإبلاغ قوم آخرين ، فيحاول أن يقتل الرسول .