هو سبحانه يستخدم الفعل المضارع لتظل الصورة في أذهاننا مستحضرة في الحال وفي الاستقبال . والحق يقول :
« فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ »
وكيف يقول الحق :
إنهم يقتلون الرسل ، والرسل لا تقتل ، وأنه سبحانه يريد أن يجعل لهم من العمر ما يمكنهم من تمام البلاغ عنه ، إن الأنبياء فقط هم الذين يجوز عليهم القتل ؟
ونقول : إن الأنبياء رسل أيضا بدليل أن الحق قال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
( من الآية 52 سورة الحج )
إن كليهما مرسل ، والفرق أن الرسول يصحب وينزل معه منهجه ، والنبي مرسل كنموذج هداية بمنهج قد سبق . ويقول الحق من بعد ذلك :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 71 ]
وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 )
« وحسب » إن كانت بفتح الحاء وكسر السين فمعناها الظن ، وإن كانت بفتح الحاء وفتح السين فبمعنى « عد » ، والحسبان هو أن تظن وترجع وجود الشئ .
والذين أخذ عليهم اللّه الميثاق وهم - بنو إسرائيل - ظنوا أن تكذيب الرسل وقتلهم لا يكون فتنة . ويعنى أنهم لم يعلموا علم اليقين ، وقد رجحوا ألا تكون فتنة .
والأصل في الفتنة - كما قلنا - عرض الذهب على النار ليتم تنقيته من الشوائب .
والفتنة - كما نعرف - هي الاختبار ، إما أن ينجح فيه الإنسان وإما ألّا ينجح .
فكيف جاءهم الظن أن هذا ليس اختبارا ؟ لقد جاءهم هذا الظن من الخطأ الذي وقعوا فيه عندما قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
( من الآية 18 سورة المائدة )