الأوكسجين ليغذى به الجسم وتسير به الحياة . ولذلك يقول الأثر : وأقبلت كالنّفس المرتدّ .
إنه الإقبال الرقيق ، فنحن نعرف أننا إن أكلنا شيئا نحبه فإننا نشعر بطعمه ، وعندما نشرب شيئا نحبه فنحن نتذوق طعمه ، أما التنفس فهو أمر لا إرادى ، فعندما نتنفس شيئا نحبه يكون إحساسا لطيفا .
وهناك نطق ثالث ويعبر عن السقوط ، وهو الهوىّ من هوى يهوى - بالكسر للواو - ولذلك يقال : هوىّ الدلو ، أي نزول الدلو إلى المياه التي في البئر . فأي نوع من الهوى تقصده الآية ؟
يقول الحق :
« كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ »
إذن فالهوى الذي يتحدّث عنه هنا هو هوى النفس المجردة عن المنهج ، وهو الذي يتحكم في حركة هذه النفس ويقودها إلى غير طاعة اللّه . وهل ترك الحق النفس الإنسانية دون عاصم لها ؟ لا ؛ لأنه أنزل الرسل تحمل منهجا ملخصه « افعل » و « لا تفعل » . وهكذا يمكن أن يصير المنهج قيّما على خواطر النفس .
لكن ما دام الحق قد أراد أن يكون المنهج قيّما على خواطر النفس ، فلماذا أوجد النفس ؟ لقد أوجد سبحانه النفس لأن وجودها ينبنى عليه أن يهوى إنسان الحق والحلال لاستبقاء النوع وتجويد العمل لحلال الرزق . إذن فالغريزة تكون موجودة وقد خلقها اللّه لمهمة ، ولكنه يعصمها بالمنهج من الخروج عن مهمتها .
ويقول قائل : ما دام اللّه قد خلق غريزة الجنس . . فلماذا لا نتركها لتعبر عن نفسها ؟ ونقول له : اتق اللّه واعلم أن الغريزة الجنسية إنما جاءت لبقاء النوع ، واستخدامها فيما يغضب اللّه فناء للنوع وانحراف يعاقب عليه المنهج .
وكذلك أوجد الحق غريزة حب الطعام ليقيم الإنسان حياته ولم يوجدها للقضاء على الحياة بالنهم والتخمة والشره . وكذلك غريزة حب الاستطلاع ليست موجودة للتجسس على الناس ، ولكن هي لاستكشاف أسرار الكون واستنباط الجديد فيما