تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3866

مساهمون:

ص٣٨٦٦
المسألة هو مروق وهروب من الاستجابة للدعوة ؛ لأنه لا توجد آية أعظم من الآية التي نزلت عليهم وهي القرآن ، وكل الآيات التي اقترحوها لا تسمو على هذه الآية ؛ لأنهم أمة نحو وصرف وبلاغة وبيان وأدب ، فجاء لهم بالمعجزة التي تفوقوا فيها . وهم لم يتفوقوا في الأشياء التي ذكروها واقترحوها . إننا نأتى لهم بمعجزة من جنس ما تفوقوا فيه ؛ لأن المعجزات دائما تأتى على هذا الأساس ؛ فكل قوم تفوقوا في مجال يأتي اللّه لهم بشئ يتفوق عليهم في مجال تفوقهم ليثبت صدق الرسول في البلاغ عنه . ولقد قلنا : إن المعجزات تأتى خرقا لنواميس الكون الثابتة لأن نواميس الكون لها قوانين عرفها البشر ، وأصبحت متواترة أمامهم ؛ فإذا ما جاء أمر يخرق الناموس السائد المعترف به بينهم يلتفتون متسائلين كيف خرق الناموس وذلك ليعرف كل واحد منهم أن الذي خلق الناموس هو الذي خرق الناموس ؛ لكي يثبت صدق هذا البلاغ عنه . وقد جاءتكم المعجزة من جنس ما نبغتم فيه ، والذي يدل على ذلك أنهم لا يتكلمون في المعجزة بل في المنهج وفي شخص من جاء بالمنهج ، تجدهم يقولون :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
( من الآية 8 سورة الأنعام ) فيوضح القرآن أن الملك بطبيعة تكوينه لا يرى منكم ؛ هو يراكم وأنتم لا ترونه ، وإذا أرسلنا ملكا فكيف تعرفونه ؟ إذن سيتطلب إرسال ملك أن نخلع عليه وضع البشر ، وأن ينزله الحق في صورة بشر ، وإن نزل في صورة بشر فستقولون : إنه ليس بشرا ولسنا ملزمين بما جاء به :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) ( سورة الأنعام ) وكان سيدنا جبريل - على سبيل المثال - ينزل إلى رسول اللّه أحيانا في صورة رجل قادم من السفر ويقعد ويتكلم مع سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يأت جبريل عليه السّلام - إذن - بطبيعة تكوينه بل جاء
تفسير الشعراوي — صفحة 3866 | محمد متولي الشعراوي