بطبيعة البشر . وهناك خلق آخر مثل الجن . ونحن لا نقدر أن نرى الجن ، ولا نستطيع بقوانيننا وقوانين الجن أن نراه ، لكن إن أراد الجن أن يرينا نفسه فهو يتشكل بشكل مادي يرى ؛ يتشكل بشكل حيوان ، يتشكل بشكل قطة ، يتشكل بشكل جمل ، يتشكل بشكل رجل ، وهكذا ، ولو كانت هذه المسألة غير مقيدة بتقنين يحفظ توازن الأمر بين الجنسين - الإنس والجن - لتعب الناس ؛ لأنه ساعة يظهر جن للإنسان ويقف أمامه ثم يختفى يسود الرعب بين البشر على الرغم من أن الجن تخاف من الإنسان أكثر مما نخاف نحن منهم ؛ لأن الجن يعرف أن قانونه يسمح له أن يتشكل بشكل إنس أو أي شكل مادي ، وحينئذ يحكمه قانون الإنس وإن التقى بشخص معه مسدس - مثلا - فقد يضربه بالرصاص ويقتله ، ولذلك يخاف الجن أن يظهر للإنسان مدة طويلة ، وإنما يظهر كومضة البرق ويختفى ؛ لأنه يخاف كما قلنا - من الإنسان . إذن فالتوازن موجود بين الجن والإنس . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
( إن عفريتا من الجن جعل يفتك على البارحة ليقطع علىّ الصلاة وإن اللّه أمكنني منه فذعتّه ، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان :
« رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي »
فردّه اللّه خاسئا ، وفي رواية : « واللّه لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة » « 1 » .
وهكذا نعلم أن القوم إذا اقترحوا آية ، ثم جاء اللّه بالآية ، فإن كذبوا بها أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يؤجل ذلك للآخرة .
والحق سبحانه وتعالى يقول :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
( من الآية 33 سورة الأنفال )
هامش
( 1 ) رواه مسلم واللفظ له في الصلاة في كتاب المساجد ، ورواه البخاري في الصلاة ، ورواه أحمد ومعنى ( يفتك ) : يأخذ في غفلة وخديعة وفي رواية ( تفلّت ) ومعنى ( فذعته ) بذال معجمة وتخفيف العين المهملة أي خنقته وفي رواية أخرى ( فدعته ) بالدال المهملة أي دفعته دفعا شديدا ومعنى ( سارية ) أسطوانة