و
« لِيَعْبُدُونِ »
تعنى أن يطيعوا في « افعل كذا » « ولا تفعل كذا » وإذا قال الحق :
« كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ »
فمعنى ذلك أنه سبحانه قد بين العمل بفوائده .
وأنت حين تتأمل ظواهر الوجود حولك تجد أن من تميز عليك بموهبة إنما أراده الحق على هذا التميز لينفعك أنت ، ويتجلى هذا الأمر في كل المهن : فالنجار الحاذق والمتقن تعود صنعته عليك ، ومصمم الملابس الذي يتقن عمله سيعود خير صنعته عليك ، ومن مصلحة كل إنسان أن يكون غيره متفوقا ؛ وأن يكون هو أيضا متفوقا في عمله ، وأن يحمد ربنا لأن خيره سيعود على غيره أيضا ، وبذلك نحيا في مجتمع راق يتكون من أمم وطوائف مثالية ، إذن فالمتفوق في شئ يجب ألا يحقد على غيره من أبناء المجتمع ؛ لأن خير تفوقه سيعود على كل فرد فيه ومن المصلحة أن يصير الكل إلى التفوق .
فإذا قال اللّه :
« كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ »
أي جعل اللّه لكل منا عملا في الحياة ، ولا بد أن ينتفع به في الدنيا ، وينتفع به في الآخرة أيضا ويأخذ كل منا ثواب اللّه عليه ، فالذي يأخذ التزيين يقبل على العمل ، والذي لا يأخذ التزيين فعليه الذنب ، وكل واحد إنما يزين عمله على مقدار الطموح الذي يطلبه لنفسه ، ونحن نرى أمثلة لذلك في الحياة ، ونلتفت لنجد إنسانا له دخل محدود ، لكنه يفتح على نفسه أبوابا من الترف أكثر من اللازم ، ولا يدخر شيئا ويحقق لنفسه المتعة العاجلة ، ونجد إنسانا آخر يعيش على قدر الضروريات ويدخر لنجده من بعد ذلك قد طور من أسلوب حياته بالسكن اللائق ومتع الحياة . إن الأول زين له عمله الترف العاجل ، والثاني زين له عمله الترف المقنن ، فإياك أن تنظر إلى شهوة العاجلة ، ولكن انظر إلى الجدوى التي تأتى منها .
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( من الآية 108 سورة الأنعام )
وما دام المرجع لمن أوجد العمل منهجا في « افعل » و « لا تفعل » والمرجع لمن وضع التزيين في العمل لتأخذ المنهج الكريم منه ، وعلى مقدار