تحرف الفصيح إلا أن أصولها منقولة عن أسلافنا وآبائنا ، وهم حين يريدون الأب الحقيقي يقولون له أب ولا يأتون باسمه الشخصي ؛ فإذا جاء لك إنسان وقال لك :
أبوك موجود ؟ . ولم ينطق باسم الوالد فهو يقصد والدك فعلا . لكن افرض أن لك عمّا ، فيقول لك السائل : أبوك محمد موجود ؟ .
لقد جاء هنا بتحديد الاسم العلم حتى ينصرف الذهن إلى السؤال عن العم ؛ لأنه لو أراد الأب الحقيقي لما ذكر اسمه واكتفى بالسؤال عنه بالأبوة فقط ، إذن فلو قال الحق سبحانه وتعالى :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ .
ولم يحدد العلم لقلنا إن آزر هو والد إبراهيم وليس عمّه وبذلك يكون هو جد رسولنا ، ولكن القرآن حدد الاسم وقال :
« لِأَبِيهِ آزَرَ »
أي ميّز اسم الشخص ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب ، وبذلك تنتهى الخلافيّة في هذه المسألة .
ولماذا يطلب الحق سبحانه من سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يذكر
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ ؟
لأن رسول اللّه جاء على فترة من الرسل وجاء في الأمة التي واجهت الدعوة أول مواجهة وهي أمة العرب وعلى رأسها قريش ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم إن كان قد جاء على فترة من الرسل ، إلا أن إبراهيم يعيش في عقائد هؤلاء القوم ؛ لأن كل أمور إبراهيم النسكية كانت في هذا المكان ، فمثلا همّه بذبح ابنه وفداء السماء لابنه كانا في هذا المكان ، ورفعه للكعبة كان في هذا المكان ، والكعبة هي مركز السيادة لقريش ، ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل .
لقد أراد الحق أن يوضح لقريش أن السيادة التي أخذتموها على العرب كافة جاءت لكم بسبب الكعبة وهذا البيت ، فلو لم يوجد هذا البيت وهذه الكعبة ، لكنتم قبيلة من القبائل ، لا مهابة لكم ولا سلطان ، ولا جاه ، ولكنكم تعلمون أن تجارتكم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب ، ولا يتعرض لها أحد بسوء أبدا ؛ لأن الذين يتعرضون لكم سواء منهم من كان في الشمال أو في الجنوب سيأتون في يوم ما إلى الكعبة هذه ليؤدوا مناسك الحج وستتمكنون منهم في أثناء وجودهم في البيت . ولذلك قلنا حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ