و « مفاتيح » هي إما جمع لمفتح أو جمع لمفتح . و « المفتح » هو آلة الفتح ، ومثلها مثل « مبرد » أي آلة البرد . وآلة الفتح هي المفتاح . و « مفتح » هو الشئ الذي يقع عليه الفتح مثل الخزانة ، ونعلم أن بعض الأسماء تأتى على وزن « مفعل » أو « مفعال » . فإذا أخذنا « مفاتح » على أساس أنها جمع لمفتح ، فمعنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يملك المفاتيح التي تفتح على الغيب . وإن أخذنا « مفاتح » على أساس أنها جمع « مفتح » أي خزانة فمعنى ذلك أن الحق عنده خزائن الغيب . وكلا الأمرين لا زمان له . والخزائن لا يوضع فيها إلا كل نفيس وهو مخزون لأوانه ولكل خزانة مفتاح . يقول الحق عن قارون :
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
( من الآية 76 سورة القصص )
هكذا نعلم أنه لا يوجد مخزون إلا وهو كنز . وعند الحق مفاتح الغيب ، والغيب هو ما غاب عنك ، وهو نوعان : أمر غاب عنك ومعلوم لغيرك ؛ وهو غيب غير مطلق ولكنه غيب إضافى .
ومثال ذلك ، عندما يقوم نشال بسرقة حافظة نقودك وأنت في الطريق ، أنت لا تعرف أين نقودك ، ولكن اللص يعرف تماما مكان ما سرق منك . هكذا ترى أنه يوجد فارق بين غيب عنك ، ولكنه ليس غيبا عن غيرك .
ولكن هناك ما يغيب عنك وعن غيرك ، ولهذا الغيب مقدمات إن أخذ الإنسان بها فهو يصل إلى معرفة هذا الغيب ، وهذا ما نراه في الاكتشافات العلمية التي تولد أسرارها بأخذ العلماء بالأسباب التي وضعها اللّه في الكون ، وهو لون من الغيب الإضافى . وهناك لون ثالث من الغيب هو الغيب المطلق ، وهو الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه ، مثل ميعاد اليوم الآخر ، وغير ذلك من الغيب الذي يحتفظ اللّه به لنفسه .
ولذلك نقول : إنه لا يوجد أبدا في هذه الدنيا عالم غيب إلا اللّه . وعنده سبحانه مفاتح الغيب ، هذا الغيب الذي لا نحس به حسا مشهودا بالمدركات ، أو كان غيبا بالمقدمات أي أنه ليس له أسباب يمكن لأحد أن يأخذ بها .