يرسخ في أذهان المؤمنين برسول مبلغ عن اللّه ، وعندما يسمع العقل الطبيعي الفطري البلاغ عن الرسول فهو يصدقه فورا ؛ لأن الفطرة عندما ترى فساد الكون ، وترى أن هناك من جاء بمنهج لإصلاح الكون لا بد أن تتجه إلى الإيمان بالمبلغ عن اللّه وهو الرسول . وعندما ترى الفطرة أن الكون كله قد تم إعداده لخدمة الإنسان ، لا بد لها أن تتساءل عن الخالق لهذا الكون وعن المنهج الذي يجب أن تسير عليه لصيانة هذه النعمة ، نعمة الوجود في الكون .
ويقتضى الإحساس السليم من الإنسان أن يتعرف إلى حقيقة واضحة ، وهي أن الإنسان قد طرأ على الكون ، وأن هذا الكون ملئ وغنى بالخيرات ، ولم يدع أحد أبدا أنه خلق السماوات أو الأرض أو الماء أو الهواء . ولا بد أن يدور في خلد صاحب الفطرة السليمة تساؤل عن هذا الخالق الأكرم الذي وهب للإنسان حق الاستخلاف في كل هذا الكون . فإذا ما جاء رسول ليقطع هذا القلق وذلك الصمت ويقول : أنا جئتكم لأخبركم بمن خلقكم ، وبمن خلق السماوات ، وبمن خلق الأرض ، وبمن رزقكم هذا الرزق .
هنا تنصت الفطرة إلى سماع الخبر الذي كانت تستشرف له . وإذا ما جاء هذا الرسول مؤيدا بآية من اللّه ومعجزة لا يقدر عليها البشر ، فالعقل البشرى يعترف اعتراف الإقرار على الفور ؛ لأنه وجد حاجته عند ذلك الرسول .
ولكن على الذين يؤمنون بما جاء به الرسول ، وعلى الرسول نفسه ، وحتى على الكافرين به ، عليهم جميعا ألا يتعدوا الحدود ، وألا يضعوا أي رسول في مكان أعلى من منزلته ، لأنه رسول من اللّه ، إنه واحد من البشر تفضل اللّه عليه بالوحي واصطفاه للمهمّة التي جاء بها . ولا بد للجميع أن يفهم أن الرسول مبلغ عن اللّه فقط ، وأنه لا يستطيع أن يأتي بالآيات التي يقترحها بعض من القوم ؛ لأن الرسول لا يقترح الآيات ولا يصنعها ، الرسول مقصور على أداء الأمانة الموكلة إليه وهي أمانة البلاغ عن اللّه . ولذلك يقول لنا الحق :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 48 ]
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 )