لذلك يعطى الحق أحيانا أشياء يكون العبد قد ألح عليها ، وبعد ذلك يتبين الإنسان أنها شر ، كأن الحق ساعة منع الإنسان لفترة كان ذلك صيانة له .
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
إذن فكله إنفاق . وسبحانه ينفق كيف يشاء ، فلا يبخل أبدا حتى وإن منع ، فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق ، وهكذا يكون عطاء اللّه عطاء النعمة ظاهرة كانت أو باطنة . فإن أردت ب « اليد » القدرة فيدا اللّه مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين ، وهو سبحانه وتعالى يعطى لحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المناعة الإيمانية ضد كل متمرد عليه ، أو ضد كل متأب ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب .
فكأنه سبحانه وتعالى يوضح : وطّن نفسك يا محمد ولتوطن أمتك نفسها على أن هؤلاء الكفرة لن يكتفوا بالقدر اليسير والقليل من الكراهية لك ، بل كلما جاءت لك نعمة بزيادة الهدى من اللّه سيحسدونك ، وسيبغضونك ، وسيزداد تمردهم وحقدهم عليك ، فوطن نفسك على ذلك . وفي هذا ما يعطى مناعة إيمانية ، يسد كل منافذ وسوسة النفس ويجعل النفس على استعداد لاستقبال ما يحدث حتى ولو كان من المكاره .
ولنقرب هذا الأمر من الذهن . لا تشبيها ولكن لمجرد تقريب الأمر من الذهن - وللّه المثل الأعلى - لننظر إلى ما حدث في أوروبا في أثناء الحرب العالمية الثانية ، كانت إنجلترا تخوض الحرب ضد النازية ، وكانت الأهوال تتساقط من الطائرات على المدن الإنجليزية . وجاء تشرشل ليقود الحرب فقال للإنجليز : إن الهول والصعاب هي التي تنتظركم فوطنوا أنفسكم على مواجهة الشدائد .
وإذا كان هذا قد حدث في حرب بين شعبين ، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وهو يعلم ضرورة التمحيص لأمته التي تحمل راية المنهج الكامل للهداية . كان لا بد إذن من أن يوطن نفس رسوله ونفوس المؤمنين معه على مواجهة الحسد والبغض والحقد والمكر والتبييت .