تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3612

مساهمون:

ص٣٦١٢
بيئتها ؛ لأن اللغة ليست دما ولا جنسا . بل اللغة سماع . وما تسمعه الأذن يحكيه اللسان . ولا يقرأ الإنسان إلا إذا سمع وعرف ارتباط ما يسمع بما يرى ؛ لذلك نعرف أن السمع هو المنفذ الأول للإدراك ، ولهذا كان الصمم قبل البكم . ولكن هل الإدراك مرتبط بالصمم والبكم فقط ؟ لا ، إن الإنسان يسمع أولا ، ثم يرى ، ثم يتذوق ، ثم يشم ، ثم يلمس ، ثم تأتى له المعلومات العقلية . والمثال على ذلك أن كل إنسان يعرف أن النار محرقة ، وهو لم يعرف هذا إلا لأنه وجدها قد لمست كائنا وأحرقته . ومثال آخر : يتفق الناس على أن صوت العندليب جميل ، وهذا الاتفاق جاء من سماع الناس لصوت العندليب . إذن فالمعلومات العقلية تأتى نتيجة للمعلومات الحسية .
« صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ »
إنهم بلا قدرة أيضا على إبصار الهداية من أي ناحية ؛ صم لا يسمعون لكلمة الحق ، وبكم لا ينطقون ، وفي ظلمات لا يهتدون إلى إدراكات الأشياء ولا إلى الإيمان . وكل ذلك مردود إلى المشيئة :
« مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
لكن هل اقتحمت المشيئة على الناس وقهرتهم ؟ لا ؛ لأن الحق قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
( من الآية 28 سورة غافر ) وقال سبحانه أيضا :
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » *
إذن ، فبتقديمهم الظلم ، والفسق ، والكفر ، وقد فعلوا ذلك اختيارا فصار المرض واستقر في قلوبهم وزادهم اللّه مرضا ، وهو سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك به ، فمن أشرك مع اللّه شيئا فهو له . ويأتي من بعد ذلك أمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 40 ]

قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) و « أرأيتكم » مكونة من استفهام وفعل ، ومن ضمير وهو لفظ التاء المفتوح .
تفسير الشعراوي — صفحة 3612 | محمد متولي الشعراوي