وقد دخلوا بالكفر وخرجوا به ، ولكنه قال : « وهم » وذلك تحديدا لهويتهم الكافرة ، فكأن عملية الدخول بالكفر والخروج بالكفر هي عملية مسبقة ؛ لذلك يكشفهم الحق :
« وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ » .
وجاء سبحانه بأفعل التفضيل « أعلم » فكأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من إشراقات اللّه عليه وتنويره له كان يعلم أيضا أنهم منافقون . ولكن علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يصل إلى علم الحق سبحانه وتعالى فعلم اللّه ذاتي وعلم رسوله فيض منه - سبحانه - .
إذن فقوله الحق :
« وَاللَّهُ أَعْلَمُ »
لم يمنع أن هناك أناسا قد علموا أنهم منافقون .
وقد استقر في ذهن النبي أنهم منافقون وأن اللّه أعلم بما كانوا يكتمون . والكتم هو حبس الإحساس النفسي أن يخرج وأن يظهر واضحا ، ومحاولة الكتم عملية غير طبيعية لأنها قسرية . ويكاد كفرهم أن يظهر ويخرج فيحاولون أن يكتموه لأنهم يحرصون ألا ينكشفوا ، ولكن علم اللّه لا تخفى عليه خافية .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 62 ]
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 )
والمسارعة في الإثم تعنى أنهم من بداية الأمر في الإثم ، ويسارعون فيه ، أي أنهم كانوا على أولية الإثم ويجرون إلى آخرية الإثم ، فضلا لهم واضح من البداية ، وكأن خلقهم الكفر يفضحهم ، برغم محاولتهم كتمان ذلك . ويجدون أنفسهم مسارعين إلى فعل الإثم ، أي أن عملهم ينزع إلى الكفر ، ويجعلهم الحق يغفلون عن الكتمان ، فتبدو منهم أشياء هي أكثر فضيحة من القول ، ذلك أن الإثم مراحل :
مرحلة قول ، ومرحلة فعل . والفعل أكثر فضحا من القول .
« وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ »
ويقول الحق :
« كَثِيراً مِنْهُمْ »