تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3513

مساهمون:

ص٣٥١٣
ما الملك ؟ الملك جنس جعله اللّه من الغيب ، ونحن لا نؤمن به إلا لأن اللّه الذي آمنا به قال : إن له ملائكة مثلما قال : إن هناك جنّا ، والملائكة من جنس الغيب ، والجن مستور عنا . وهؤلاء المنكرون الجاحدون يطلبون نزول ملك حتى يؤمنوا . إذن فهم قد عرفوا أن هناك غيبا وأن فطرتهم الأولى تحمل أثرا من منطق السماء لكنهم ينكرون ، وقولهم بالملك دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل ، وبقيت تلك الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة ، ولو أنزل الحق لهم ملكا لما آمنوا أيضا ، فهم مكذبون . ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها . فلو أنزل الحق عليهم ملكا كما يطلبون ثم كفروا لقضى الأمر وأهلكوا بدون إمهال . إذ لو تجلى الملك لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية . ولقد نزل الملك بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله - سبحانه وتعالى - بالوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفعل في رسول اللّه ما فعل ، ولم يظهر من عمله مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أثره فحسب . وها هو ذا رسول اللّه يشرح لنا ذلك لحظة مجىء الملك أول مرة في غار حراء : قال الملك : اقرأ . ( فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد . ثم أرسلني ، فقال :
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) .
ورجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد ، فقال : ( زملوني زملوني ) . فزملوه حتى ذهب عنه الروع . وأخبرها الخبر وقال : « لقد خشيت على نفسي » فقالت خديجة - رضى اللّه عنها - وهي تعدد صفات وخلق رسول اللّه العظيمة : « كلا واللّه لا يخزيك اللّه أبدا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الدهر » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري .
تفسير الشعراوي — صفحة 3513 | محمد متولي الشعراوي