لرسول اللّه بيت من ذهب مزخرف ، أو أن يصعد إلى السماء ويأتيهم بكتاب من اللّه بقرر صدق رسالته ، ولكن اللّه برحمته واتساع حنانه ينزه ذاته أن يتحكم فيه أحد أو أن يشاركه في قدرته فيعلن لهم على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم قوله - سبحانه وتعالى - :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
( من الآية 93 سورة الإسراء )
لأن الذي يبعث الآيات هو رب العالمين ، ولا أحد يجرؤ أن يفرض على اللّه آياته . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو مستقبل لآيات اللّه لا مقترح للآيات ، ذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن من يقترح على اللّه آية ثم تأتى فيكذب بها يصيبه ويناله الهلاك ، هذه سنة اللّه ، ورسول اللّه يعلم أنه النبي الخاتم ؛ لذلك لن يطلب أي آية من اللّه حتى لا ينزل عقاب اللّه من بعدها إن كذبوا بها . ويبلغ الحق رسوله عتو المتجبرين المنكرين واستكبارهم .
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
( 7 )
( سورة الأنعام )
الحق يعلم أن قلوب بعض المنكرين قد صارت غفلا لا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الباطل - كما أراد هو لهم - فلو نزّل إليهم كتابا في قرطاس ليكون في مجال رؤية العين ولمسوه بأيديهم فلن يؤمنوا . ويأتي أمر لمس الكتاب بالأيدي ؛ لأن اللمس هو الحاسة التي يشترك فيها الجميع حتى الأعمى منهم ، وبرغم ذلك فسيكذبون قائلين :
« إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ »
ومثل هذا الرد لا ينبع عن عقل أو تدبر أو حكمة .
ولا يتناسب مع القوم الذين عرفوا بالبلاغة والفصاحة ، وبحسن القول وصياغته ؛ لأن السحر إنما يغير من رؤية الناس للواقع ، وما دام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متهما بالسحر منهم فلماذا لم يسحرهم هم ، ولماذا استعصوا هم بالذات على السحر ؟
والمسحور ليس له عمل ولا إرادة مع الساحر ، ولو كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ساحرا لصنع من السحر ما يجعلهم يؤمنون .
إن من العجيب وهم أبصر الناس بفن القول ، وهم أهل النبوغ في الأداء ،