تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3512

مساهمون:

ص٣٥١٢
ويعرفون القول الفصل والرأي الصحيح ويميزون بين فنون القول : خطابة ، وكتابة ، ونثرا ، وشعرا ، والقول المسجوع ، والقول المرسل ، من العجيب أنهم يقفون أمام معجزة القرآن مبهوتين لا يعرفون من أمرهم رشدا ، فمرة يقولون : إنه سحر ، ومرة يقولون : إنه كلام كهنة ، وثالثة يقولون : إنه كلام مجنون . والقرآن ليس بسحر ، لأنه يملك من البيان ما يملكون وفوق ما يملكون ويحسنون ، ولا يفعل رسول اللّه معهم ما يجعلهم يؤمنون على الرغم منهم ، وليس القرآن كذلك بكلام كهنة ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نشأ بينهم ويعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يتلق علما من أحد ، فضلا عن أن كلام الكهان له سمت خاص وسجع معروف ، والقرآن ليس كذلك . ويعلمون أنه كلام رجل عاقل ، فكلام المجنون لا ينسجم مع بعضه ، وها هو ذا الحق يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) ( سورة القلم ) وقد أعد اللّه رسوله ليستقبل النبوة بقوة العقل ، لا بسفه الرأي ، وله في إبلاغ رسالة ربه ثواب لا مقطوع ولا ممنوع ، وهو على الخلق العظيم . والخلق العظيم - كما نعلم - هو استقبال الأحداث بملكات متساوية وليست متعارضة ولا يملك ذلك إلا عاقل . وقد شهدوا هم بخلق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكيف يأتي هذا الخلق العظيم من مجنون ؟ وكيف يصدر السلوك المتصف بالسلامة والصلاح والخير من مجنون ؟ كانت - إذن - كل اتهاماتهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تنبع من إصرارهم على الكفر ، لا من واقع لمسوه ، فكل ما قالوه في رسول اللّه هم أول الناس الذين شهدوا عكسه ولمسوا نقيضه . وجاءوا - إصرارا على الكفر - يطلبون آية أخرى :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 8 ]

وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 )
تفسير الشعراوي — صفحة 3512 | محمد متولي الشعراوي