تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3509

مساهمون:

ص٣٥٠٩
سلط اللّه عليهم حيوانا من أضعف الحيوانات وأحقرها وهو الفأر فنقب السد فأغرق أموالهم ودفن بيوتهم . ويخبر الحق رسوله بكل هذه الأخبار ليلفت بها وينبه إليها قوما رأوا آثار حضارة عاد وثمود ، والرؤية سيدة الأدلة ، وطالبهم الرسول بها حتى يعرفوا عاقبة الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ولم يطلب الحق من رسوله إلا البلاغ فقط ، أما إيمان القوم فليس مكلفا به صلّى اللّه عليه وسلّم ، إن هؤلاء قد خافوا من سيطرة « لا إله إلا اللّه » فهم الذين صنعوا من أنفسهم آلهة وتسلط بعضهم على بعض . فتخيل القوى أنه إله على الضعيف . وتخيل الغنى أنه إله على الفقير ، وتخيل العالم أنه إله على الجاهل ، أما « لا إله إلا اللّه » فهي تساوى بين الناس جميعا ، وهم يرفضون ذلك لأنهم يريدون السيادة . . ومثال ذلك قولهم :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) ( سورة الزخرف ) فهم لم يجرؤوا على الطعن في القرآن ، إنما طلبوا أن تكون السيادة لغنى من أغنياء القريتين مكة أو الطائف . وتناقض هذا القول مع عملهم وسلوكهم مع الرسول ، فقط حفظوا كل نفيس حرصوا عليه عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ولو كان الواحد منهم يرى شيئا أو مغمزا في أمانة رسول اللّه لما فعلوا ذلك . ولكن الواحد منهم بالرغم من التكذيب بمحمد لم يكن يأتمن إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالإنسان حينما تقع مصلحته أمام تكذيبه فهو يغلب مصلحته على تكذيبه . ويبين الحق سبحانه أن إعراض هؤلاء ، وتكذيب هؤلاء واستهزاء هؤلاء ، لا يمت إلى حقيقة أمرك يا رسول اللّه ، ولا إلى حقيقة القرآن في شئ ، وإنما هو العناد ، مثلهم مثل آل فرعون الذين جحدوا آيات اللّه على الرغم من أن أعماقهم رأت هذه الآيات بيقين لا تكذيب فيه .
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
( 14 ) ( سورة النمل )