ولا نعرف شيئا وجد بذاته أزلا وقبل أن يوجد الكون إلا اللّه ، أما أتفه الأشياء في حياتنا والتي نعتبرها من غير الأساسيات فهي لا توجد بذاتها بل لا بد من صانع لها .
فكوب الماء مثلا لا يؤدى ضرورة قصوى في الحياة ؛ لأن الإنسان يستطيع أن يشرب الماء بكفه أو بفمه مباشرة ، هذا الكوب احتاج من الإنسان إلى علم وإمكانات وقدرة وحكمة . وجاء العلم للإنسان بما وهبه اللّه للإنسان من قدرة بحث عن المادة التي في الكون ، فنظر الإنسان إلى الرمل واكتشف وسيلة لصهر الرمال ، واكتشف وسيلة لتنقية الزجاج بمواد كيماوية ، واكتشف أسلوبا آليا لإنتاج هذه الأكواب .
لقد أخذت رحلة صناعة الكوب من الإنسان رحلات علمية وصناعية كبيرة ، وهو غير ضروري كضرورة قصوى في الحياة ، إنما هو من الترف ، فما بالنا بالضروريات من شمس ، وقمر وهواء وماء ؟ هذه الأشياء - إذن - لا بد لها من صانع وإذا كان صانع أتفه شئ في حياة الإنسانية يذهب إلى إدارة لتسجيل اختراعه ؛ ليستفيد منها ، فما بالنا بالذي صنع كل شئ ، ولم يصنعها ليستفيد منها ولكن ليستفيد خلقه منها .
إن البشرية تعرف من صنع المصباح وتاريخه ، وأين ولد ، وأين عاش ، وأين تعلم . فما بالنا بالذي صنع الشمس والنجوم والأرض والإنسان ؟ ورحمنا الحق فدل على نفسه وأخبرنا أنه سبحانه الذي خلق . ولم يأت أحد ليعارضه سبحانه ويدعى صناعة الكون ، وما دام لا يوجد شئ له أثر إلا بمؤثر ، فلا بد لنا أن نعرف أنه سبحانه ما دام قد قال : إنه هو الذي خلق وأبدع ولم تنشأ معارضة له فإن قوله هو الصدق . وإن كان هناك صانع للكون ولم يعلم أن اللّه قد أخبرنا أنه سبحانه الذي خلق الكون فذلك الصانع النائم التائه عما صنع لا يصلح أن يكون إلها . وإن كان قد علم أن اللّه أخبرنا أنه سبحانه خلق لنا الكون ولم يجرؤ هذا الصانع على أن يبلغنا بالحقيقة فهذا - الصانع المدعى - ليس له حق في الألوهية .
أما الحق سبحانه ، فقد أعلمنا وعلمنا بالدليل القطعي أنه الذي خلق الكون ، وما دام الأمر كذلك فيجب أن نستمع له ، والترجمة العملية لسماع الحق هي عبادته وطاعته فيما أمر وفيما نهى ، بل إن عالم الملكوت الذي لا ترونه يعبده سبحانه . وكل شئ في الوجود مؤتمر بأمره ويسبح بحمده .
تفسير الشعراوي — صفحة 3499
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٤٩٩