تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3493

مساهمون:

ص٣٤٩٣
ومرة أخرى يأتي الحق بالأشياء المنظورة فقط فيقول :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
( من الآية 1 سورة الأنعام ) إنه سبحانه يأتي هنا بأشياء تختص بالمادة المنظورة ، كالسماوات والأرض ، والظلمات والنور ، وهي أشياء يمكنك أن تراها بوضوح ، ومرة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء المنظورة كقوله الحق :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
( من الآية 1 سورة فاطر ) ويأتي بالمجموع كله في فاتحة الكتاب ، ويأتي بالمنهج فقط كما في سورة الكهف ، ويأتي بالكون المادي كما في سورة الأنعام ، ويأتي بالكون المادي والمعنوي كما في سورة فاطر . إذن فالحمد مستحق مستحق ، ويوجه للّه حتى ولو كانت أسبابه الظاهرة من غير اللّه ؛ لأن كل أسباب الدنيا والكون تنصرف أخيرا إلى اللّه . وهنا - في سورة الأنعام - خص الحق الحمد للّه خالق السماوات والأرض بما فيهما من كائنات ، وأتى من بعد ذلك بالظلمات والنور . والخلق كما نعلم إيجاد من عدم . والجعل يأتي لشئ مخلوق ويوجه إلى الغاية منه . ولذلك قال الحق :
« وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ »
والظلمة أمر عدمي ، والنور أمر إيجادى ، والنور يبدد الظلمة . إذن فالأصل هو وجود الظلمة التي تختلف في ألوانها ، مثال ذلك : ظلمة الكهف ، وظلمة البحر ، وظلمة البر ، ولذلك قال الحق سبحانه :
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
( من الآية 40 سورة النور ) إنها يده يعرف اتجاهها ولكنه لا يكاد يراها . إذن فالحق يخصص الحمد هنا لخلق السماوات والأرض لأنها ظرف كل الكائنات . وقال العلماء : لا تأخذ الظلمة على