تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3253

مساهمون:

ص٣٢٥٣
« من » كقولنا : « فلان خير من فلان » . أما إن قيل : فلان خير » فمقابله هو « شر » لأنه لا توجد كلمة « أخير » . وهكذا نجد كلمة « خير » تأتى للوصف مرة وتأتى للمبالغة في الوصف مرة أخرى ، والفاصل للتمييز بين الاثنين هو وجود « من » . فيقال : فلان خير من فلان ومثلها في ذلك كلمة شر . وقد ورد استعمال كلمة خير للتفضيل ولغير التفضيل في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 70 ) ( سورة الأنفال ) والحديث النبوي يقول : « المؤمن القوى خير وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير » « 1 » . إن في كل مؤمن خيرا . ولكن في المؤمن القوى خير أكثر مما في المؤمن الضعيف . والمثال على أن كلمة « خير » . تقابل كلمة « شر » ، هو قول الحق :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
( من الآية 180 سورة آل عمران ) و « خير » هنا ليست أفعل التفضيل ولكنها للوصف العادي ؛ وإذا جاءت « من » تعرف أنها للتفضيل ، وعدم الإتيان بلفظة « من » يدلنا على أنها للوصف العادي ومقابله كلمة « شر » . وهنا يقول الحق :
« قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ » .
وجاءت كلمة « بشر » هنا للتفضيل ولا يعنى ذلك أن المؤمنين في « شر » ولكنها مجاراة للخصم . واعتبار أن ما يقوله الخصم مقبول جدلا . وهناك الأكثر شرا في الواقع وعند اللّه وهو المراد من قوله تعالى :
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
( من الآية 60 سورة المائدة )
هامش
( 1 ) رواه أحمد 2 / 370 ومسلم في القدر والبيهقي في السنن الكبرى ، وابن ماجة في الزهد ومالك في الموطأ ( التمهيد لابن عبد البر 9 / 287 ) .