تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3252

مساهمون:

ص٣٢٥٢
ومثال ذلك - كما قلنا من قبل - المسجون الذي يطلب كوب ماء فيأتي له الحارس بكوب الماء ويقربه من فمه ثم يسكب كوب الماء على الأرض ، هذه العملية زرعت في نفس السجين الأمل في الارتواء أولا ، ثم يكون سكب الماء على الأرض سببا في التعذيب والإمعان فيه ، لكن لو رفض الحارس أولا تقديم الماء لعاش السجين في اليأس وهو إحدى الراحتين . ونرى ذلك أيضا فيمن ينتظر حكما قد يكون إعداما وقد يكون براءة ، وتكون فترة الانتظار هي المليئة بالقلق . وعندما يضعون المنتظر في الميزان يجدون وزنه في انخفاض . وبعد الحكم بإعدامه يبدأ وزنه في الزيادة ؛ لأن اليأس إحدى الراحتين . إذن فانبساط النفس ومجىء القبض بعدها هو الأمر الأنكى والأشد قسوة على النفس ، ولذلك يقول الحق :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( من الآية 21 سورة آل عمران ) هذه البشارة تأتى بالانبساط للنفس ويتلوها الانقباض ، ومثل قول الحق :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
( من الآية 29 سورة الكهف ) أي أنه قد وقع عليهم لون من العذاب يستدعى الإغاثة ، ومن بعد ذلك يغاثوا لا بما ينقذهم ولكن بما يزيد عذابهم . وساعة يسمعون « يغاثوا » تنفرج أساريرهم وتسكن وتطمئن نفوسهم ، وبعد ذلك يحدث الانقباض بسماعهم :
« بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ » ،
إذن فكلمة « مثوبة » تأتى لهم بشئ من الانبساط يتلوه العذاب . هذا وإنّ أفعل التفضيل يأتي على صورة « أفعل » ، « أكرم » ، « أجود » ، « أشجع » فهذا لون من زيادة الصفة في طرف عنها في الطرف الآخر . اللهم إلا كلمات قليلة جاءت في اللغة على غير صيغة التفضيل منها كلمة « خير » وكلمة « شر » فلم تأت منهما كلمة « أخير » بمعنى أكثر خيرا . ولا كلمة أشر بمعنى أكثر شرا ، ومرة تأتى كلمة « خير » ويقابلها الخير الأقل . والذي يميز المعنى هو وجود كلمة
تفسير الشعراوي — صفحة 3252 | محمد متولي الشعراوي