وتتابع الآية :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ »
كأنه سبحانه وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة ؛ لأن الأمر الشكلى قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه ، ولكن اللّه ينظر إلينا بقيوميته ، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم . وفي هذا القول تحدّ للمنافقين من أنه سبحانه سيحاسبهم ، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان الشكلى ، فسوف ينال عقاب اللّه ، وعلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه جماعة المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر للّه .
إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينهانا عن أن نحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو نفاقا . وقد أبلغنا صلّى اللّه عليه وسلّم أنه بشر ، وعرف أن البشرية محدودة القدرة . ولذلك قال : « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » « 1 » .
هكذا يحذرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن نظن فيه قدرة فوق قدرة البشر .
وعندما قتل صحابي رجلا أعلن الإيمان قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« هلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه » « 2 » .
إذن فنحن لنا الظاهر ، أما السرائر فأمرها موكول إلى اللّه . ولذلك يقول اللّه :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ » .
ونعلم أن ظاهرة النفاق تعطى للمنافق حقوق المسلم الظاهرة الموقوتة بحياته وزمنه ، ولكن الباقي في الحياة الأخرى طويل ينال فيه جزاء ما أبطن من كفر . والكتمان غير الإخفاء ، فكتم الشئ يعنى أن الشئ ظاهر الوضوح ولكن صاحبه يكتمه ، أما الإخفاء فهو ما يدور بالخواطر ، ويمكن أن يخفيه الإنسان ، ولكنه مع مرور الوقت لا يستطيع ذلك ، فالشاعر العربي يقول :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .
( 2 ) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد .