لقد كانت لقريش السيادة على كل الجزيرة العربية بقبائلها ، فكل القبائل تحج عند قريش ولم تكن هناك أي بيئة عربية قادرة على أن تقف أمام هوى قريش .
ولذلك استعرض سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البلاد جميعا إلى أن أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ، والعلة في الذهاب إلى الحبشة أن هناك ملكا لا يظلم عنده أحد . وكان العدل في ذاته وساما لذلك الملك وسماها المؤمنون دار أمن ، وإن لم تكن دار إيمان . وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت إلى دار إيمان . وعلينا أن نعرف نحن الذين نعيش في هذا الزمان أنه لا هجرة بعد الفتح ، إلا إن كانت هجرة يقصد بها صاحبها المعونة على طاعة اللّه . وهو ما يوضحه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه ) « 1 » .
وهناك هجرة باقية لنا وهي الحج ، أو الهجرة إلى طلب العلم ، أو الهجرة لأن هناك مجالا للطاعة أكثر ، فلنفترض أن هناك مكانا يضيق الحكام فيه على الذهاب إلى المسجد ، فيترك أهل الإيمان هذا المكان إلى مكان فيه مجال يأخذ فيه الإنسان حرية أداء الفروض الدينية ، كل هذه هجرات إلى اللّه . والنية في هذه الهجرات لا يمكن أن تكون محصورة فقط في طلب سعة العيش . ولذلك لا يصح أن يكون الشغل الشاغل للناس ما يشغلهم في هذا الزمان هو سعة العيش .
وها هو ذا الإمام على - كرم اللّه وجهه - يقول : عجبت للقوم يسعون فيما ضمن - بالبناء للمفعول - لهم ويتركون ما طلب منهم . فكل سعى الناس إنما هو للرزق والعيش وهو أمر مضمون لهم من خالقهم جل وعلا :
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 100 )
( سورة النساء )
ولن يجد المهاجر إلا السعة من اللّه ، والشاعر يقول :
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها * ولكن أخلاق الرجال تضيق
هامش
( 1 ) رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عمرو .