والذي يفسد جو الحكم المنهجي للّه أن أناسا يجدون رجلا عدّد ، فأخذ إباحة اللّه في التعدد ، ثم لم يعدل ، فوجدوا أبناءه من واحدة مهملين مشردين ، فيأخذون من ذلك حجة على الإسلام . والذين حاولوا أن يفعلوا ما فعلوا في قوانين الأحوال الشخصية إنما نظروا إلى ذلك ، التباين الشديد الذي يحدثه بعض الآباء الحمقى نتيجة تفضيل أبناء واحدة على أخرى في المأكل والملبس والتعليم !
إذن فالمسلم هو الذي يهجر دينه ويعرضه للنقد والنيل من أعدائه له . فكل إنسان مسلم على ثغرة من ثغرات دين اللّه تعالى فعليه أن يصون أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته من أي انحراف أو شطط ؛ لأن كل مسلم بحركته وبتصرفه يقف على ثغرة من منهج اللّه ، ولا تظنوا أن الثغرات فقط هي الشئ الذي يدخل منه أعداء اللّه على الأرض كالثغور ، لا ، الثغرة هي الفجوة حتى في القيم يدخل منها خصم الإسلام لينال من الإسلام .
إنك إذا ما تصرفت تصرفا لا يليق فأنت فتحت ثغرة لخصوم اللّه . فسدّ كل ثغرة من هذه الثغرات ، وإذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد توسع في العدل بين الزوجات توسعا لم يقف به عند قدرته ، وإن وقف به عند اختياره ، فالرسول صلى اللّه عليه وسلم حين مرض كان من الممكن أن يعذره المرض فيستقر في بيت واحدة من نسائه ، ولكنه كان يأمر بأن يحمله بعض الصحابة ليطوف على بقية نسائه في أيامهن فأخذ قدرة الغير . وكان إذا سافر يقرع بينهن ، هذه هي العدالة .
وحين توجد مثل هذه العدالة يشيع في الناس أن اللّه لا يشرع إلا حقا ، ولا يشرع إلا صدقا ، ولا يشرع إلا خيرا ، ويسد الباب على كل خصم من خصوم دين اللّه ، حتى لا يجد ثغرة ينفذ منها إلى ما حرم دين اللّه ، وإن لم يستطع المسلم هذه الاستطاعة فليلزم نفسه بواحدة . ومع ذلك حين يلزم المسلم نفسه بزوجة واحدة ، هل انتفت العدالة مع النفس الواحدة ؟ لا ، فلا يصح ولا يستقيم ولا يحل أن يهمل الرجل زوجه . ولذلك حينما شكت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أن زوجها لا يأتي إليها وهي واحدة وليس لها ضرائر ، فكان عنده أحد الصحابة ، فقال له : أفتها « أي أعطها الفتوى » .
تفسير الشعراوي — صفحة 2004
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٠٠٤