تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2003

مساهمون:

ص٢٠٠٣
والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان ، أي أن لكل واحدة من المتعددات مكانا يساوى مكان الأخرى ، وفي الزمان ، وفي متاع المكان ، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه ، فليس له أن يجعل شيئا له قيمة عند واحدة ، وشيئا لا قيمة له عند واحدة أخرى ، يأتي مثلا ببجامة « منامة » صوف ويضعها عند واحدة ، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة ويضعها عن واحدة ، لا . لا بد من المساواة ، لا في متاعها فقط ، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها ، حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوى بينهن في النعال التي يلبسها في بيته ، فيأتي بها من لون واحد وشكل واحد وصنف واحد ، وذلك حتى لا تدلّ واحدة منهن على الأخرى قائلة : إن زوجي يكون عندي أحسن هنداما منه عندك . والعدالة المطلوبة - أيضا - هي العدالة فيما يدخل في اختيارك ؛ لأن العدالة التي لا تدخل في اختيارك لا يكلف اللّه بها ، فأنت عدلت في المكان ، وفي الزمان ، وفي المتاع لكل واحدة ، وفي المتاع لك عند كل واحدة ، ولكن لا يطلب اللّه منك أن تعدل بميل قلبك وحب نفسك ؛ لأن ذلك ليس في مكنتك . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعطينا هذا فيقول : عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : ( كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم ويعدل ويقول : « اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » يعنى القلب ) « 1 » . إذن فهذا معنى قول الحق :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
( من الآية 129 سورة النساء ) لأن هناك أشياء لا تدخل في قدرتك ، ولا تدخل في اختيارك ، كأن ترتاح نفسيا عند واحدة ولا ترتاح نفسيا عند أخرى ، أو ترتاح جنسيا عند واحدة ولا ترتاح عند أخرى ، لكن الأمر الظاهر للكل يجب أن تكون فيه القسمة بالسوية حتى لا تدلّ واحدة على واحدة . وإذا كان هذا في النساء المتعددات - وهن عوارض - حيث من الممكن أن يخرج الرجل عن أي امرأة - بطلاق أو فراق فما بالك بأولادها منه ؟ لا بد أيضا من العدالة .
هامش
( 1 ) - رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارمي .