وعندما يقال : اركبوا سياراتكم ، أي أن يركب كل واحد سيارته . إذن فمقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة آحادا ، وقوله الحق :
« فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا »
هو قول يخاطب جماعة ، فواحد ينكح اثنتين وآخر ينكح ثلاث نساء ، وثالث ينكح أربع نساء .
والحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعة مّرة إيجابا ومرة يشرعه إباحة ، فلم يوجب ذلك الأمر على الرجل ، ولكنه أباح للرجل ذلك ، وفيه فرق واضح بين الإيجاب وبين الإباحة . والزواج نفسه حتى من واحدة مباح . إذن ففيه فرق بين أن يلزمك اللّه أن تفعل وأن يبيح لك أن تفعل . وحين يبيح اللّه لك أن تفعل ، ما المرجح في فعلك ؟ إنّه مجرد رغبتك .
ولكن إذا أخذت الحكم ، فخذ الحكم من كل جوانبه ، فلا تأخذ الحكم ، بإباحة التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة ، وإلا سينشأ الفساد في الأرض ، وأول هذا الفساد أن يتشكك الناس في حكم اللّه . لماذا ؟ لأنك إن أخذت التعدد ، وامتنعت عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقا من الحكم ، ولم تأخذ الشق الآخر وهو العدل ، فالناس تجنح أمام التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا ؟ لأن الناس شقوا كثيرا بالتعدد أخذا لحكم اللّه في التعدد وتركا لحكم اللّه في العدالة .
والمنهج الإلهى يجب أن يؤخذ كله ، فلماذا تكره الزوجة التعدد ؟ لأنها وجدت أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها التفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه إلى الزوجة الجديدة ، لذلك فلا بد للمرأة أن تكره زواج الرجل عليها بامرأة أخرى .
إن الذين يأخذون حكم اللّه في إباحة التعدد يجب أن يلزموا أنفسهم بحكم اللّه أيضا في العدالة ، فإن لم يفعلوا فهم يشيعون التمرد على حكم اللّه ، وسيجد الناس حيثيات لهذا التمرد ، وسيقال : انظر ، إن فلانا تزوج بأخرى وأهمل الأولى ، أو ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة .
فكيف تأخذ إباحة اللّه في شئ ولا تأخذ إلزامه في شئ آخر ، إن من يفعل ذلك