تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2529

مساهمون:

ص٢٥٢٩
لا يقفون من الإيمان موقف الحياد ، ولكنهم يقفون منه موقف العناد والعداوة .
« وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً »
وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو : إياكم أن تأمنوهم على شئ يتعلق بمصالحكم وإيمانكم . ويصدر الحق الحكم في هذه القضية بمنتهى الوضوح :
« فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ »
أي إياكم أن تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو أهل مشورة ؛ لأن اللّه سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم ، وهذه المسألة ليست ضربة لازب ، فإن آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة الإيمان فلن يرده اللّه ، فسبحانه وتعالى لا يضطهد أحدا لمجرد أنه ارتكب الذنب ؛ لأنه الحق غفور ورحيم ، فمادام قد عاد الإنسان إلى الصواب وبعد عن الخطأ ، فعلى المؤمنين أن يقبلوا من يعود إليهم بإخلاص ، فالكراهية لا تنعقد ضد أحد لأنه أخطأ ؛ لأن الكراهية تكون للعمل الخطأ ، وليست موجهة ضد الإنسان المخلوق للّه ، فإن أقلعوا عن الخطأ ؛ فهم مقبولون من المؤمنين . وهاهوذا قاتل زيد بن الخطاب يمر أمام عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - وقال له بعض الناس هاهوذا قاتل أخيك زيد . فيقول عمر بن الخطاب : وماذا أفعل به وقد هداه اللّه للإسلام ؟ ! وهكذا نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القاتل ، ولكن الكره يكون للفعل ، فإن أقلعت الذات عن الفعل فالذات لها مكانتها . وهكذا يصدر الحكم الرباني :
« فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » .
والهجرة في سبيل اللّه كانت تكلف الإنسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله ، ويذهب إلى حياة التقشف والتعب والمشقة ، وفي هذا ما يكفر عنه ، ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب إلى اللّه فتاب اللّه عليه وآن له الأوان أن يدخل في حوزة الإيمان . فإن فعل ذلك فقد عاد إلى الإيمان . ولذلك يجب على الناس أن يفصلوا الذوات عن الأفعال . لماذا ؟ لأن الذوات في ذاتها لا تستحق أن تكره ، وإنما يكره فعل الذات إن كان قبيحا سيئا .
تفسير الشعراوي — صفحة 2529 | محمد متولي الشعراوي