تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2523

مساهمون:

ص٢٥٢٣
نضغط على أكثر من زر ليتحقق هذا الفعل ، هذا الإنسان الآلى حتى يتحرك حركة واحدة لا بد من ضغط وتحريك عدد آخر من القوى ، لكن الإنسان حتى يمسح وجهه بيديه اكتفى بأنه بمجرد أن أراد مسح الوجه باليد مسح الوجه . فهل أمسك من يمسح وجهه بشئ وضغط عليه ليمسح وجهه ؟ . إنه بمجرد أن أراد فعل . وسائق جرافة التراب يحرك عددا من الأذرع الحديدية حتى يحرك الجرافة إلى أسفل ، ثم حركة أخرى ليفتح كباشة التراب ، وحركة تقبض أسنان الكباشة وحركة أخرى ترفع التراب ، كل ذلك من أجل أن يرفع التراب من مكان ما إلى مكان آخر ، والواحد منا بمجرد أن يريد أن يمسح وجهه فهو يمسح وجهه ولا يعرف أي عضلات تحركت ، فمن الذي فعل كل ذلك ؟ . إنه اللّه . فيا من تتعصب لصفة القدرة . فاللّه هو الذي فعل والعبد هو الذي وجه الطاقة التي تنفعل باللّه . فإذا كانت إلى غير مراد اللّه يصير العبد عاصيا ، وإن وجهها إلى مراد اللّه فيكون طائعا ، ويكون له الكسب فقط ، فالذي يقتل واحدا ، هو لم يقتله ؛ لأنه لم يقل له : « كن قتيلا » فيكون قتيلا ، ولكن القاتل يأتي بسكين أو سيف أو مسدس ويرتكب فعل القتل . فأداة القتل هي التي قامت بالفعل ، والقاتل إنما أخذ الآلة الصالحة لفعل ما ولغيره ، فوجهها لذلك الفعل . فيا من تريد العدل ، إن اللّه يعذب على المعصية ؛ لأن الإنسان استعمل أداة مخلوقة للفعل ولعدمه ، فجعلها تؤدى فعلا غير مراد للّه أي لا يرضى عنه اللّه ولا يحبه ، ومع ذلك فاللّه هو الفاعل لكل شئ . ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
« فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا »
وما دام هو سبحانه الذي أركسهم بما كسبوا ، وأنتم مؤمنون باللّه فلا بد أن يكون الرأي فيهم واحدا ؛ لذلك يتساءل الحق :
« أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ » ؟
وسبحانه لا يريد أن يقدم لهم العذر ، إنما يريد أن يظهر لهم هدايته سبحانه وهي هداية لا تتأتى لهم ؛ لأنه قد أضلهم فأنّى لهم الهداية . فلما ذا يقف جانب من المؤمنين في صفهم ؟ . لأن اللّه حين يهدى فهو يهدى من يشاء ويضل من يشاء بوضع القوانين الموضحة