ستر ليد اللّه في النصر ، فالنصر منه سبحانه :
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
( من الآية 126 سورة آل عمران )
وورود كلمة « بأس » في الآية التي نحن بصددها ، يراد بها القوة والشدة في الحرب ، ويراد بها المكيدة ، ويراد بها هزيمة الأعداء . فكلمة « بأس » فيها معان متعددة . والحق يبلغ رسوله : إنك يا محمد لا تكلف إلا نفسك وإياك أن يخطر على بشريتك : كيف أقاتل هؤلاء وحدى فإن القوم المؤمنين معك وإذا ما دخلوا القتال فهم لا ينصرونك ولكنهم يسترون يد اللّه في النصر :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
( من الآية 14 سورة التوبة )
ولماذا لا ينصر اللّه المؤمنين والرسول مباشرة دون قتال لغيرهم من الكفار والمشركين ؟ . لأن النصر لو جاء بسبب غيبى من الحق ربما قالوا ظاهرة طبيعية قد نشأت . . ولكن الحق يريد أن يظهر أن القلة المؤمنة هي التي غلبت ، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب ، فحينما نظر المسلمون إلى الأسباب فقط في « حنين » ، وقال بعضهم : لن نهزم عن قلة فنحن كثير ، هنا ذاق المسلمون طعم الهزيمة أولا ، وبعد أن أعطاهم الحقّ الدرس التأديبى أولا . . نصرهم ثانيا . والحق يقول :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
( من الآية 25 سورة التوبة )
وهذا لفت للمؤمنين أن يكونوا مع الأسباب ويتذكروا المسبب دائما ؛ لأن الأسباب إنما تأتى فقط لإثبات أن اللّه مع المؤمنين فلو أن المؤمنين انتصروا بأي سبب غيبى آخر لقال الأعداء : إن هذا الذي حدث هو ناتج ظاهرة طبيعية . والفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المادية في الخصوم ما حدث لسيدنا إبراهيم عليه السّلام . فلم يرد الحق مجرد إنقاذ سيدنا إبراهيم من النار ؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما مكّن أعداء إبراهيم عليه السّلام من القبض عليه . . ولو فعل الحق ذلك لقال أعداء سيدنا