الَّذِينَ كَفَرُوا »
و « عسى » بالنسبة للّه رجاء محقق لأنه إطماع من اللّه عز وجل ، والإطماع منه واجب تحققه لأنه - سبحانه - هو الذي يحثنا ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم ، وهو القائل سبحانه :
« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا »
لأن أصحاب البأس من الخلق هم أهل أغيار ، فالقوى منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه . أما واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأسا وهو سبحانه أشد تنكيلا .
وساعة يسمع الإنسان أي شئ من مادة « نكل » فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من « النكل » وهو القيد . وعندما يوقع الحاكم - مثلا - العذاب على مرتكب لجريمة ، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ارتكاب مثل هذه الجريمة ، فكأن الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول مجرم أن يفعلوا مثل فعله . ولذلك يقال على ألسنة الحكام : سأجعل من فلان نكالا . أي أن القائل سيعذب فلانا ، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبدا خوفا من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بمن فعل الجريمة .
إذن فالتنكيل والنكال والنكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنسانا أن يتحرك نحو الجريمة ، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولا ، أو أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها .
إن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد جمع كل المواهب ؛ لأن فكر الإنسان وطاقته وزمنه وظروفه شاء اللّه أن تختلف وشاء سبحانه ألا يجعل الإنسان موهوبا في كل مجال ، وحين يوزع اللّه على كل عبد جزءا من المواهب ويعطى العبد الآخر جزءا آخر حتى يتكامل العباد معا .
فلو أن صاحب موهبة تجمعت لديه مواهب الآخرين لاستغنى كل إنسان عن مواهب الآخرين ، واللّه يريد منا مجتمعا متساندا متكافلا متكاملا ، فما أفقده أنا أجده عند غيرى . فتجد بارعا في الهندسة وعندما يصاب هذا المهندس البارع بألم فهو يطلب طبيبا ، والطبيب الذي يريد بناء عيادة يطلبها من المهندس . وكلاهما يطلب مشورة المحامي في كتابة العقود ، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يقيم البناء ، والذين يقيمون