نعم ربّنا ، هذا الموت ، ثم يقال : يا أهل النار ، فيطلعون فرحين مستبشرين ، أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه . فيقال : هل تعرفون هذا ؟ قالوا : نعم هذا الموت ، فيأمر به فيذبح على الصراط ، ثم يقال للفريقين « كلاهما » « 1 » : « خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا » « 2 » .
وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة . ويعلمنا اللّه أنه يقضى على الموت ، فنحيا في خلود بلا موت . وينبه الناس الذين كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل اللّه لو كانوا عندهم لما ماتوا . نقول لهم : العندية عندكم لا تمنع الموت . ولو كان من دنا أجله وحان حينه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت .
إن الأداء القرآني يتنوع ؛ فهناك من الأداء ما نفهمه من الألفاظ ، وهناك ما نفهمه من الهدى الأسلوبى للقرآن ؛ لأنه خطاب الرب . فالبشر فيما بينهم يتخاطبون بملكات لغوية وملكات عقلية ، لكن عندما يخاطب الحقّ الخلق فسبحانه يخاطب كل ملكات النفس . ولذلك نجد طفلا صغيرا يحفظ القرآن ويمتلئ بالسرور ، فيسأله واحد من الكبار : ما الذي يسرك في حفظ القرآن ؟ . فيجيب الصغير : إنني أحس بالانسجام وكفى . هو لا يعرف لماذا يحس بالانسجام من سماع القرآن أو حفظه ، فالمتحدث هو اللّه ، وسبحانه بقدرته وجمال كماله يخاطب كل الملكات النفسية .
وسبحانه وتعالى يقول :
« أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ »
أي أينما توجدوا يدرككم الموت . وكلمة « يدرككم » دليل على أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح ، إلى أن يدركها في الزمن الذي قدره اللّه . وكلمة « يدرك » توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقه الموت للحياة : « حتى إذا أدركها جرت ، فلا أحد منكم إلا هو مدرك » ، ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق : « الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك » .
هامش
( 1 ) كلمة ( كلاهما ) هكذا جاءت بالأصل ، والمعروف في القاعدة « كليهما » ؛ لأن الكلمة توكيد لمجرور ، ولعله على لغة من يلزم المثنى الألف .
( 2 ) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 24 ص 204 .