تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2280

مساهمون:

ص٢٢٨٠
تكلّم الحق في سورة النساء عن الخلق الأول وأوضح : أنني خلقتكم من نفس واحدة وهي « آدم » وبعد ذلك خلقت منها زوجها ، ثم بثثت منهما رجالا كثيرا ونساء ، والبث الكثير للرجال والنساء لتستديم الخلافة للإنسان ، لكن كيف يأتي ذلك ؟ أوضح سبحانه : أريد مجتمعا قويا ، وإياكم أن يضيع فيه اليتيم . وبعد ذلك ما دمت أريد استدامة هذا الاستخلاف فليأخذ الأيتام نصيبا ، وتكلم - سبحانه - عن التركة ، ثم تكلم عن السفهاء غير المؤتمنين على مالهم ، وبعد ذلك تكلم عن كيفية الزواج . إذن فكل هذه العملية ليبنى لنا نظام حياة متكاملا ؛ لأن الخلافة في الأرض تقتضى دوام هذه الخلافة بالتكاثر ، والتكاثر لا يؤدى مراده إلا إذا كان تكاثر أقوياء ، أما تكاثر الضعاف فهو لا ينفع . فإن كان فيكم يتيم لا بد أن تلاحظوه ، وإن كان فيكم سفيه لا يستطيع أن يدبر ماله فدبروا أنتم له ماله ، واجتهدوا لتتركوا من حركة حياتكم للناس الذين سيأتون بعدكم إلى أن تقوى نفوسهم على الحركة . وأوضح سبحانه منهاج الميراث ، وأمر سبحانه : أن تزاوجوا ، لكن للتزاوج شروطه وقد أوضحها ، ثم أعطانا المنهج العام :
« وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » ،
ووضح هذه الأحكام كلها . وبعد ذلك ما الحكمة في أنه - سبحانه - يرجع بنا مرة ثانية لليهود ؟ الحق سبحانه وتعالى يوفى الأحكام ، وإلقاء الأحكام شئ وحمل النفس على مراد اللّه في الأحكام شئ آخر ، فيوضح لنا : أن هناك ناسا ستعلم الحكم لكنها لا تقدر أن تحمل نفسها عليه ، فإياكم أن تكونوا كذلك . واعلموا أن هناك أناسا عندهم نصيب من الكتاب أيضا ، ويعلمون مثلكم تماما ، إنما اشتروا الضلالة ، إذن فهو شرح لنا ؛ إنّه الواقع الملموس ولا يأتينا - سبحانه - بكلام خبري أو إنشائي ، قد تقول : يحدث أو لا يحدث ، إنّه يأتيك بأحداث من واقع الكون ، وينبهنا : إياكم أن تكونوا مثلهم ، فقال :
« مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ »
والتحريف : أنك تأتى باللفظ الذي يحتمل معنيين : معنى خير ، ومعنى شرّ ، ولكنك تريد منه الشرّ ، مثل الذي يقول : « السام عليكم - والعياذ باللّه - » هي في ظاهرها أنه يقول : السّلام عليكم ، لكنه يقول : السام . يعنى « الموت » ، إذن ففي اللفظ ما يلحظ ملحظ الخير ، ولكن العدو يميله إلى الشرّ .