تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2282

مساهمون:

ص٢٢٨٢
إلى عبارة ، فيخيل لأصحاب النظرة السطحية أن الأمر تكرار ، ولكنه ليس كذلك ، مثلما يقول مرة : « يشترون الضلالة بالهدى » ومرة لا يأتي بالهدى كثمن للضلالة ويقول :
« يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ »
، ولم يلتفتوا إلى أن هدى الفطرة مطموس عندهم هنا ، ومثال آخر هو قول الحق :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
( من الآية 41 سورة المائدة ) وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه :
« يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » ،
فكأن المسألة لها أصل عندهم ، فالكلام المنزل من اللّه وضع - أولا - وضعه الحقيقي ثم أزالوه وبدّلوه ووضعوا مكانه كلاما غيره مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد مكانه . أما قوله :
« مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ »
فتفيد أنهم رفعوا الكلام المقدس من موضعه الحق ووضعوه موضع الباطل ، بالتأويل والتحريف حسب أهوائهم بما اقتضته شهواتهم ، فكأنه كانت له مواضع . وهو جدير بها ، فحين حرفوه تركوه كالغريب المنقطع الذي لا موضع له ، فمرة يبدلون كلام اللّه بكلام من عندهم ، ومرة أخرى يحرفون كلام اللّه بتأويله حسب أهوائهم .
« وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا »
. فهم يقولون قولا مسموعا « سمعنا » ثم يقولون في أنفسهم « إنّا عصينا » . فقولهم :
« سَمِعْنا وَعَصَيْنا »
ففي نيتهم « عصينا » ، إذن فقولهم « سمعنا » يعنى سماع أذن فقط . إنما « عصينا » فهي تعنى : عصيان التكليف ، وهم قالوا بالفعل سمعنا جهرا وقالوا عصينا سرّا أو هم قالوا : سمعنا ، وهم يضمرون المعصية ،
« وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ »
ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الذي يسمعكم ، بدليل أنكم قلتم : سمعنا ، فماذا تريدون بقولكم : اسمع ؟ هل تطلبون أن يسمع منكم لأنه يقول كلاما لا يعجبكم وستردون عليه ، أو أنتم تريدون استخدام كلمة تحتمل وجوها أخرى فتقلبونها إلى معان لا تليق ، مثل قولكم : « غير مسمع » ما يسرّك ، أو « غير مسمع » أي لا سمعت ؛ لأنهم يتمنون له - معاذ اللّه - الصمم ، وقد تكون سبابا من قولهم : أسمع فلان فلانا إذا سبّه وشتمه ، فالكلام محتمل .
تفسير الشعراوي — صفحة 2282 | محمد متولي الشعراوي