حددت السبيل بغايتى فمن أراد أن يصل إلىّ فلينظر إلى طريقي . وكلمة « السبيل » ، و « الطريق » كلها أمور حسية ، والحق يستعملها لنا ليدلنا على المعاني العقدية والمعاني المعنوية يوضحها - سبحانه - بأمور حسية أمامنا ، وعندما توجد في مفترق طرق وتريد أن تصل إلى المنطقة الفلانية . فانحرافك بمقدار ملليمتر واحد في بداية الطريق ، يبعدك عن الهدف ، وكلما امتد بك السير اتسع المشوار وتبعد المسافة ، فأنت تتوه ، ونمثل لهذا بشئ بسيط جدا : كلنا نركب القطارات ، والقطارات تسير على قضبان مستقيمة . فإذا أردنا أن نحول القطار فنحن لا نرفعه ونضعه على قضيب آخر ، بل نأتى بتحويلة لا تتجاوز اثنين من الملليمتر ونقربها إلى حد الالتصاق في القضيب الأصلي ، وهذا ما يفعله « المحولجى » ، فينحرف القطار لينتظم الخط وليصل إلى المحطة المطلوبة .
ولفتنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك بما رواه سيدنا حذيفة - رضى اللّه عنه - حينما قال : حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما ، وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا : أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - أي أن الإيمان فطرى - ثم نزل القرآن ، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة .
ثم حدثنا رسول اللّه عن رفع الأمانة قال :
« ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - وهو اللسعة التي توجد أثرا على الجلد - ثم ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل » ( والمجل هو أثر الجمرة التي تظل مدة طويلة على جلد الإنسان فتسبب ورما فيه مياه - كجمر دحرجته على رجلك فنفط - أي انتفخ - فتراه منتبرا وليس به شئ ) فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدى الأمانة حتى يقال : « إن في بنى فلان رجلا أمينا » « 1 » .
ويستمر سيدنا حذيفة قائلا :
ولقد مر علىّ زمان وما كنت أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علىّ دينه ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد .