تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2272

مساهمون:

ص٢٢٧٢
إن تعب الناس يأتي من أنها تعمل للغايات الدنيا ؛ لذلك نقول لكل إنسان : انظر الغاية العليا التي سيكون الكل شركاء فيها ، والكل لا بد أن يصل لها . فإذا ما عرفنا الغاية العليا نجونا من إرهاق قصر النظر والغرق في الغايات المحدودة ، مثلا : أنت تبعث ابنك ليتعلم من سن الحضانة ثم إلى الروضة ثم الابتدائي ثم الإعدادى ثم الثانوي ثم التعليم العالي ثم يتخصص في مجال معين في التعليم العالي ، وتصل سنوات عمره إلى العشرين سنة ليتخرج ويتوظف ويقدر أن يعيش بكده وعرقه ، والأب يعمل لهذه الغاية ، وقد لا يصل الابن إلى الوظيفة ، وقد يتعب الابن والده ولا يكمل تعليمه وبذلك تفلت منه الغاية . لكن نحن نريد الغاية التي لا تفلت ، فأنت الآن تعيش في أسباب خلقها لك الحق ، فاجعل غايتك أن تعيش مع الحق . إنك في الدنيا تعيش مع الأسباب التي خلقها لك الحق ، لكنك في الآخرة ستكون مع الحق نفسه . أنت في الدنيا تعيش بالأسباب ، ولكنك تعيش في الآخرة بالمسبب ، ومهما ارتقت أسبابك . فأنت لن تستطيع أن تصل إلى مستوى رفاهة الآخرة . صحيح أنه إذا ارتقت حياتك في الدنيا فقد تضغط على زر في الحجرة ويأتيك فنجان قهوة ، أو تضغط على زر فيأتيك الأكل ، ولكن قل لي مهما ارتقت الحياة أيوجد ارتقاء بحيث إذا خطر الشئ على بالك يأتيك ؟ لا يمكن ، وهذا ما سيكون لنا في الآخرة ، إذن فهذه هي الغاية الحسنة ، ونحن نعيش في الدنيا مع أسباب اللّه الممدودة لنا ، أما في الآخرة فسوف نعيش مع اللّه ولذلك أوضح سبحانه : سأعطى المؤمن والكافر الأسباب في الدنيا ، فالكافر عندما يزرع يجد نتاجا ، وعندما يبحث في الكون وينظر أسراره فالأسرار تتكشف له ؛ لأن الأسباب خلقها اللّه لمن يأخذ بها سواء أكان مؤمنا أم كافرا . لكن المسبب لا يذهب له إلا من آمن به ، أما الكافر فقد آمن بالأسباب فأخذ الأسباب ، ولم يمنعها اللّه منه :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
( 20 ) ( سورة الشورى ) إذن فهل غايتك أن تبقى مع الأسباب أو تذهب إلى المسبب ؟ انظر إلى غايات