قبل مثلا بمن انقطعت به الوسائل وهو في الصحراء ولم يجد ماء ولم يجد طعاما ، ثم يئس فنام ، ثم استيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام ، باللّه قبلما يأكل ألا ينظر ويفكر ويقول في نفسه : من الذي أعدّ وأقام تلك المائدة ؟ أنت - إذن - وارد على الكون بخيره كله ، ولا أحد قال لك : أنا الذي فعلته ، لا أبوك ولا جدك ولا جد جدك قال هذا ، فلا بد أن تنتبه إلى أن له خالقا .
إذن فالذين اشتروا الضلالة بالهدى ، أكان معهم هدى فقدموه وأخذوا الضلالة ؟ ! نعم كان معهم هدى الفطرة ، ولذلك حين سئل الإمام على - كرّم اللّه وجهه - : أعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمدا بربك ؟
قال : لو عرفت محمدا بربى ما احتجت إلى رسول ، إذن فلا يصلح أيضا أن يقال لأحد « عرفت ربك بمحمد » ؛ لذلك قال على كرم اللّه وجهه : ولكني عرفت ربى بربى ، وجاء محمد فبلغني مراد ربى منى . إذن فقوله :
« الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »
ما ذا فعلوا ؟ باعوا هدى الفطرة واشتروا الضلالة . وهنا يقول الحق :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ » .
ولم يأت ب « الهدى » هنا ، وهذا يدل على أن الفطرة انطمست عندهم انطماسا بحيث لم يقدموا ثمنا للضلالة من الهدى .
« وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ »
والإرادة هي : أن يرجح الشخص المختار حكما على حكم ، ومثال ذلك : أنت أمامك جوربان مثلا ، فلك أن تختار واحدا منهما ، لكن لو كان أمامك جورب واحد فإرادتك لا ترجح . إن الإرادة ترجح اختيارا على اختيار ، وما معنى « تضلوا » ؟ الضلال يطلق بإطلاقات متعددة ، فحواها كلها أن هناك أمرا من الحق ليس على بالك ، فهل يحدث ذلك لأنك نسيته أو عرفته وتعمدت أن تتركه ؟ . فالذي نسي هذا الأمر معذور . لكن هناك إنسان آخر يعرف هذا الأمر لكنه تعمد أن يتركه ، إذن فالضلال يطلق مرة على النسيان كما في قول الحق :
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى
( من الآية 282 سورة البقرة )