تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2267

مساهمون:

ص٢٢٦٧
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ
( من الآية 142 سورة البقرة ) فعلى الرغم من ذكائهم إلا أنهم قالوا هذا الكلام ، مما يدل على أن الكفر مظلم والكافر في ظلام فلا يعرف كيف ينصر نفسه . وجعل اللّه الكفر وسيلة للإيمان . فلو أنهم كانوا أذكياء بحق وأصحاب بصيرة لكانوا بمجرد أن قال القرآن :
« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » ،
لجمعوا بعضهم وقالوا : القرآن قال : إننا سنقول كذا وكذا ، فهيّا لا نقول كي يكون القرآن غير صادق . لكنهم لم يقدروا على ذلك . إذن فالكافر مغفل . هم يظنون أنهم بكفرهم يطمسون الإيمان باللّه . لا ؛ لأن اللّه جعل الكفر وسيلة للإيمان ، والحديث الشريف يقول : ( إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) « 1 » . فالحق سبحانه وتعالى يبيّن : هؤلاء أوتوا نصيبا من الكتاب ، وكان المفروض لمن أوتوا نصيبا من الكتاب أن يكونوا أول من آمن . لكنهم لم يؤمنوا ، هذه أول مرتبة ، وليتهم اقتصروا في الشرّ على هذه ، وبذلك تقف المسألة وتظل معلقة بهم ، ولكنهم يشترون الضلالة ، ليس فقط في نفوسهم بل يريدون أن يضلوا غيرهم ، وهذه هي المرحلة الثانية ، فهناك من يضل في ذاته وهو حرّ ، لكن أن يحاول إضلال غيره فهذا كفر مركب . أنت ضللت وانتهيت ، فلماذا تريدني أن أضل ؟ لأن الضال أو المنحرف أو الذي ليس على طريق مستقيم إنما يعرف الطريق المستقيم جيدا . ولكن الصعوبة في أنه لا يستطيع أن يحمل نفسه عليه . فإذا ما وجد إنسانا مؤمنا فهو يستصغر نفسه ، « لما ذا آمن هو وأنا لم أؤمن » ؟ إذن فلا أقل من أن يحاول جذبه في صفه حتى لا يكون هو المنحرف الوحيد ، فإذا رأيت مثلا في بلد من البلاد بعض المنحرفين ، ويرون واحدا مستقيما فهم يتضاءلون أمامه ، وينظرون إليه نظرة حقد ، ويقولون : لماذا هو مستقيم ؟ لا بد أن نسحبه للانحراف .
هامش
( 1 ) رواه البخاري .
تفسير الشعراوي — صفحة 2267 | محمد متولي الشعراوي