تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2251

مساهمون:

ص٢٢٥١
السلطان ذاتها مسألة فوق التصور . . فكل شئ يتعجب منه يؤتى فيه ب « كيف » ، ومثال ذلك قوله الحق :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
( من الآية 28 سورة البقرة ) وهذا يعنى تعجيبا من مصيبة وكارثة هي الكفر باللّه ، فقولوا لنا : كيف جاءت هذه ؟ إنها مسألة عجيبة ، ونقول : فكيف يكون حال هؤلاء الكافرين ، كيف يكون حال هؤلاء العصاة ، في يوم العرض الأخير ،
« فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ »
و « الشهيد » هو : الذي يشهد ليقرر حقيقة ، ونحن نعلم أن الحق أخبرنا :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
( من الآية 24 سورة فاطر ) وهذا النذير شهيد على تلك الأمة أنه بلغها المنهج ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شهيد على أمته أنه بلغ ، فقوله :
« وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ »
من هم ؟ ننظر قوله :
« فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ »
وهو رسولها الذي بلغ عن اللّه منهجه ، وكيف يكون الموقف إذا جاء وقال : أنا أبلغتهم الموقف ولا عذر لهم لأننى أعلمتهم به ،
« وَجِئْنا بِكَ »
يا محمد - صلّى اللّه عليك وسلم
« عَلى هؤُلاءِ »
فهل المعنى ب « هؤلاء » هم الشهداء الذين هم الرسل أو على هؤلاء المكذبين لك ؟ وتكون أيضا شهيدا على هؤلاء مثلما أنت شهيد على أمتك ؟ إن كلا من الحالين يصح ، لما ذا ؟ . لأن اللّه جاء بكتابه المعجزة وفيه ما يثبت أن الرسل قد بلغوا أممهم ، فكأن الرسول حين سجل في كتابه المعجزة وكتابه المنهج أن الرسل قد بلغوا أممهم فهو سيشهد أيضا : هم بلغوكم بدليل أن ربنا قال لي في كتاب المعجزة وفي المنهج . ويكون رسولنا شهيدا على هؤلاء المكذبين الذين أرسل إليهم وهم أمة الدعوة فالمعنى هذا يصلح ، وكذلك يصلح المعنى الآخر . ولا يوجد معنى صحيح يطرد معنى صحيحا في كتاب اللّه ، وهذه هي عظمة القرآن . إن عظمة القرآن هي في أنه يعطى إشعاعات كثيرة مثل فص الماس ، فالماس غال ونفيس ؛ لأنه قاس ويكسر به وكل ذرة فيه لها شعاع ، المعادن الأخرى لها إشعاع واحد ، لكن كل ذرة في الماس لها إشعاع ؛ ولذلك يقولون إنه يضوى ويتلألأ ، فكل ذراته تعطى إشعاعا .
تفسير الشعراوي — صفحة 2251 | محمد متولي الشعراوي