تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2143

مساهمون:

ص٢١٤٣
بالباطل ، بل يوجهه إلى الأمر النافع ، الذي ليس فيه حرمة ، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة . وإذا كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر ، فسنوضحه بالمثل الآتي : لنفترض أن تلميذا قال لمدرسه : يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع . فيقول الأستاذ للتلاميذ : لا تسرقوا أقلامكم ، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول : لا يسرق كل واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه ، إذن فيكون المعنى الثاني
« لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ » ،
أي لا يأكل كل واحد منك مال أخيه بالباطل . وكيف يقول : « أموالكم » ؟ وما دام مالهم فليس عليهم حرج ؟ لا ؛ لأن معناها المقصود : لا يأكل كل واحد منكم مال أخيه . ولماذا لم يقل ذلك وقال : « أموالكم » ؟ لأن عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خلقت على أن تكون آكلة ، وطائفة خلقت على أن تكون مأكولة ، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلا لمال غيره ؛ ومرة أخرى يكون ماله مأكولا . فأنا إذا أكلت مال غيرى فسوف يأكل غيرى مالي . فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضا ، فكأنه سبحانه عندما يقول لك : لا تأكل مالك إنما ليحمى لك مالك . إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيمانى مجتمعا واحدا . ويقول إن المال الذي عند كل واحد هو للكل . وأنك إن حافظت على مال غيرك حافظ غيرك على مالك . وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترىء المجموع على مالك . وأنت ساعة تأكل مال واحد تجرّىء آلاف الناس على أن يأكلوا مالك . وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك .
« لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ »
وكلمة « أكل » معناها : الأخذ ؛ لأنّ الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة ؛ لأنها الظاهرة المتكررة ، فقد تسكن في بيت واحد طوال عمرك ، وتلبس جلبابا كل ستة أشهر ، لكن أنت تتناول الأكل كل يوم ، وحينما نزلت الآية قال المسلمون : نحن لا نأكل أموالنا بالباطل . وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم . وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأوضح أن
تفسير الشعراوي — صفحة 2143 | محمد متولي الشعراوي