تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2050

مساهمون:

ص٢٠٥٠
إن اللّه سبحانه يحترم حركة العبد ، ويحترم ما ملك العبد بعرقه ، ويوصى الحق العبد الغنى : إن أخاك العبد الفقير في حاجة ، فأقرضنى - أنا اللّه - بإعطائك الصدقة أو الزكاة لأخيك الفقير . ولم يقل للعبد الغنى : أقرض أخاك ، ولكنه قال أقرضني . لما ذا ؟ لأنه سبحانه هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود ، وهو المتكفل برزقهم جميعا . . المؤمن منهم والكافر . ولذلك ضمن الرزق للجميع وأمر الأسباب بأن تستجيب حتى للكافر ، لأنه سبحانه هو الذي استدعاه للوجود . وسبحانه وضع هذا التوريث ، ليصنع التفتيت الإنسيابى للملكية حتى لا يأتي التفتيت القسري الذي يجعل بعضا من الأبناء وقد نشأوا في نعمة وأخذوا من مسائل الحياة ما يريدون ، وعندما يأتي عليهم هذا التفتيت القسري ، يصبحون من المساكين الذين فاجأتهم الأحداث القسرية بالحرمان ، فهم لم يستعدوا لهذا الفقر المفاجىء . لكن عندما يأتي التفتيت الانسيابى فكل واحد يعد نفسه لما يستقبله ، وبذاتية راضية وبقدرة على الحركة ، ولذلك قال الحق :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
( 36 ) ( سورة محمد ) إنه سبحانه لا يقول : أنا الذي ملكتك هذا المال ، ولا أنا الذي رزقتك هذا الرزق ، مع أنه - سبحانه - هو الذي ملكك ورزقك هذا المال حقا ولكنه يوضح لك حقك في الحركة ، فيقول بعد ذلك :
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ
( 37 ) ( سورة محمد ) ولو ألح عليك فأنت تبخل بها لأنك جنيتها بتعب وعرق . ولكن ما الفرق بين إنسان لم يسرف على نفسه ، بل عاش معتدلا ، ثم أبقى شيئا لأولاده ؛ والذي جاء بدخله كله وبدده فيما حرمه اللّه وأسرف على نفسه في المخدرات وغيرها ، ما الفرق بين هذا وذاك ؟ .