السعي في الأرض لتستبقى الحياة بالحركة فيها ، فقد وضع أيضا الوسيلة الكريمة لاستبقاء النوع وجعل من حركة الأصل ما يعود على الفرع ، فلم يغر اللّه الإنسان وحده بالحركة لنفسه ، ولكن أغراه أن يتحرك في الحياة حركة تسعه وتسع من يعول ، ويوضح الحق للإنسان : أن حركتك في الأرض ستنفع أولادك أيضا .
ولذلك أوجد اللّه سبحانه في نفس كل والد غريزة الحنان والحب . ونحن نرى هذه الغريزة كآية من آيات اللّه متمكنة في نفوس الآباء . ولهذا يسعى الأب في الحياة ليستفيد هو وأولاده . والذي يتحرك حركة واسعة في الحياة قد يأتي عليه زمان يكفيه عائد حركته بقية عمره ؛ لأنه تحرك بهمة وإخلاص ؛ وأفاء اللّه عليه الرزق الوفير ، وقد يتحرك رجل لمدة عشرين عاما أو يزيد ويضمن لنفسه ولأولاده من بعده الثروة الوفيرة ، وهناك من يكد ويتعب في الحياة ويكسب رزقا يكفيه ويكفى الأبناء والأحفاد .
وهكذا نجد الذين يتحركون لا يستفيدون وحدهم ، فقط ولكن المجتمع يستفيد أيضا . وتشاء حكمة اللّه العالية بأن يفتت الثروة بقوانين الميراث لتنتشر الثروة وتتوزع بين الأبناء فتشيع في المجتمع ، وهذا اسمه التفتيت الانسيابى . كأن نجد واحدا يملك مائة فدان وله عدد من الأبناء والبنات . وبعد وفاة الرجل يرث الأبناء والبنات كل تركته ، وهكذا تتفتت الثروة بين الأبناء تفتيتا انسيابيا وليس بالتوزيع القهري الذي ينشئ الحقد والعداوة ، ويريد الحق أن نحترم حركة المتحرك ، وأن تعود له حركة حياته ولمن يعول فقال سبحانه :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
( 36 ) ( سورة محمد )
هو سبحانه لا يقول لأي واحد : هات المال الذي وهبته لك . وقلت سابقا : إنه سبحانه وتعالى يحنن عبدا على عبد فيقول :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
( 11 )
( سورة الحديد )