تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
الآباء في كل حركاتهم ، لأنه قد تكون حركة الآباء قد اختلت بالغفلة عن المنهج أو بنسيان المنهج ، لذلك يدعونا ويأمرنا سبحانه : أن ننخلع عن هذه الأشياء ونتبع ما أنزل اللّه ، ولا نهبط إلى مستوى الأرض ، لأن عادات ومنهج الأرض قد تتغير ، ولكن منهج السماء دائما لا يتغير ، فاتبعوا ما أنزل اللّه . والناس حين يحتجون يقولون : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا . وتلك قضية تبريرية في الوجود ، ولو كان ذلك حقا وصدقا ، ومطابقا للواقع ، لما كرر اللّه الرسالات بعد أن علم آدم كل المنهج الذي يريد ؛ لأننا لو كنا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا . لكان أبناء آدم سيتبعون ما كان يفعله آدم ، وأبناء أبناء آدم يتبعون آباءهم ، وهكذا يظل منهج السماء موجودا متوارثا فلا تغيير فيه . إذن فما الذي اقتضى أن يتغير منهج السماء ؟ إن هذا دليل على أن الناس قد غيروا المنهج ، ولذلك فقولهم :
« نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
هي قضية مكذوبة ، لأنهم لو اتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم ؛ لظل منهج اللّه في الأرض مضيئا غير متأثر بغفلة الناس ولا متأثرا بانحرافات أهل الأرض عن منهج السماء . وهو تبرير يكشف أن ما وجدوا عليه آباءهم يوافق أهواءهم . وقوله الحق :
« اتَّبِعُوا »
أي اجعلوا ما أنزل عليكم من السماء متبوعا وكونوا تابعين لهذا المنهج ؛ لا تابعين لسواه ؛ لأن ما سوى منهج السماء هو منهج من صناعة أهل الأرض ، وهو منهج غير مأمون ، وقولهم :
« ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
أي ما وجدنا عليه آباءنا ، وما تفتحت عليه عيوننا فوجدناه حركة تحتذى وتقتدى . والحق يبين لهم أن هذا كلام خاطئ ، وكلام تبريرى وأنتم غير صادقين فيه ، وعدم الصدق يتضح في أنكم لو كنتم متبعين لمنهج السماء ؛ لما تغير المنهج ، هذا أولا ، أما ثانيا ، فأنتم في كثير من الأشياء تختلفون عن آبائكم ، فحين تكون للأبناء شخصية وذاتية فإننا نجد الأبناء حريصين على الاختلاف ، ونجد أجيالا متفسخة ، فالأب يريد شيئا والابن يريد شيئا آخر ، لذلك لا يصح أن يقولوا :
« بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا »
؛ لأنه لو صح ذلك لما اختلف منهج اللّه على الأرض لكن المنهج اختلف لدخول أهواء البشر ، ومع ذلك نرى بعضا من الخلاف في سلوك الأبناء عن الآباء ، ونقبل ذلك ونقول : هذا بحكم تغيير واختلاف الأجيال ، أي أن الأبناء أصبحت