إذن فلا شئ قد جعلهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم إلا لأنهم وجدوا فيه ما يوافق هواهم ، بدليل أنهم انسلخوا عن تبعيتهم لآبائهم في أشياء رأوها في سلوك الآباء وخالفوهم فيها ، وما داموا قد خالفوهم في أشياء كثيرة ؛ فلماذا يتبعونهم في الدين الزائف ؟ .
إن اللّه يريد أن يخلص الإنسان من إسار هذا الاتباع ، ويلفت العباد . تعقلوا يا من أصبحت لكم ذاتية ، وليعلم كل منكم أنه بنضج العقل يجب أن يصل إلى الهداية إلى الخالق الواحد الأحد ، فإن كنت قد التحمت بأبيك في أول الأمر لأنه يعولك ويمدك ، فهذا الأب هو مجرد سبب أراده اللّه لك ، ولكن اللّه هو خالقك ، وهو الذي أنزل المنهج الذي يجب أن تلتحم به لتصير حياتك إلى نماء وخير .
وهو سبحانه يقول :
وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
( من الآية 33 سورة لقمان )
إن الحق سبحانه وتعالى يفصل لنا هذا الأمر بدقة ، فإذا كان الآباء لا يعقلون ؛ فماذا عن موقف الأبناء ؟ . إن على الأبناء أن يصلحوا أنفسهم بمنهج الحق .
وقد وردت في سورة المائدة آية أخرى بالمعنى نفسه ولكن بخلاف في اللفظ ، فهنا في سورة البقرة يقول الحق :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ »
. وفي آية سورة المائدة يقول الحق :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
( 104 )
( سورة المائدة )
وبين الآيتين اتفاق واختلاف ، فقوله الحق هنا :
« اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ »
وهي تعنى أن نمعن النظر وأن نطبق منهج اللّه . وآية سورة المائدة
« تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ »
هذا هو الخلاف الأول .