لعادات آبائهم . والتقليد هو نشأة طبيعية في الإنسان ، لأن الإنسان حين يخرج للوجود ممدا بطاقة الحياة ؛ فهذه الطاقة تريد أن تتحرك ؛ وحركتها تأتى دائما وفق ما ترى من حركة السابق لها ، فالطفل الصغير لا يعرف أن يده تتناول أشياء إلا إذا رأى في البيئة المحيطة به إنسانا يفعل ذلك ، وحين يريد الطفل أن يتحرك ، فهو يقلد حركة الذين حوله ، ولذلك تجد الأطفال دائما يقلدون آباءهم في معظم حركاتهم ، وحين يوجد الأطفال مع أجيال متعاقبة تمثل أعمارا مختلفة ، فإن الطفل الصغير يقلد في حركته البدائية خليطا من حركات هذه الأجيال ، فهو يقلد جده ، ويقلد جدته ، ويقلد أباه وأمه ، وإخوته ؛ فتنشأ حركات مختلطة تمثل الأجيال كلها .
ولذلك فاندماج الطفل في أسرة مكونة من آباء وأجداد ، تمثل في الإنسان طبيعة الحياة المتصلة بمنهج الحركة في الأرض وبمنهج السماء ؛ لأن الطفل حين يعيش مع أبيه فقط ، قد يجده مشغولا في حركة الحياة التي ربما شدته عن قيم الحياة أو عن منهج السماء ؛ لكنه حين يرى أبا لأبيه ؛ هو جده قد فرغ من حركة الحياة ، واتجه إلى منهج القيم ؛ لأنه قريب عهد فيما يظن بلقاء اللّه ، فإن كان لا يصلى في شبابه فهو يصلى الآن ، وإن كان لا يفعل الطاعات سابقا ؛ أصبح يفعلها الآن ، وهكذا يرى الطفل حركة الحياة الجامحة في الدنيا والتلهف عليها من أبيه ، ويجد الإقبال على القيم والعبادات من جده ، ولذلك تجده ربما عاون جده على الطاعة ؛ فساعة يسمع الطفل المؤذن يقول : « اللّه أكبر » ، فهو يعرف أن جده يريد أن يصلى ؛ فيذهب هو ويأتي بالسجادة ويفرشها لجده ؛ ويقف مقلدا جده ، وإن كانت بنتا ، فنحن نجدها تقلد أمها أو جدتها وتضع الغطاء على رأسها لتصلى ، إذن ، فاندماج الأجيال يعطى الخير من الحركتين ، حركة مادية الحياة وحركة قيم منهج السماء ، ولذلك يمتن الحق علينا قائلا :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
( من الآية 72 سورة النحل )
إذن ، فتقليد الأجيال اللاحقة للأجيال السابقة أمر تقتضيه طبيعة الوجود .
وحين يدعو اللّه الناس أن يتبعوا ما ينزله على الرسل فهو ينهاهم أن يتبعوا تقليد