النعاس ؛ أي النوم الخفيف ، فالواحد منا يكون جالسا ثم يغفو ، لكن النوم هو « السبات العميق » ، فلما قال :
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ »
قالوا : إنه يتغلب على النوم الخفيف لكن ؛ هل يقدر على مقاومة النوم العميق ؟ . فقال الحق عن نفسه :
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
. وعرفنا أن السنة هي : النعاس الذي يأتي في أول النوم ، ومظهرها يبدو أولا في العين وفي الجفن ، فعندما يذهب إنسان في النوم ؛ فإن أثر ذلك يظهر في عينيه ، ولذلك يقولون : إن العين هي الجارحة التي يمكن أن تعرف بها أحوال الإنسان ، وقد اكتشفوا في عصرنا الحديث أن الشرايين لا يمكن أن يعرفوا حالتها بالضبط إلا من العين . فالفتور الذي يأتي في العين أولا هو السنة أو مقدمات النوم ونسميه : النعاس .
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
أتريدون تطمينا من إله لمألوه ، ومن معبود لعابد ، ومن خالق لمخلوق أكثر من أنه يقول للعابد المخلوق : « نم أنت ملء جفونك ، واسترح ؛ لأن ربك لا ينام » . ماذا تريد أكثر من هذا ؟ هو سبحانه يعلم أنه خلقك ، وأنك تحتاج إلى النوم ، وأثناء نومك فهناك أجهزة في جسمك تعمل . أإذا نمت وقف قلبك ؟ أإذا نمت انقطع نفسك ؟ أإذا نمت وقفت معدتك من حركتها الدودية التي تهضم ؟ أإذا نمت توقفت أمعاؤك عن امتصاص المادة الغذائية ؟ لا ، بل كل شئ في دولابك يقوم بعمله . فمن الذي يشرف على هذه العمليات لو كان ربك نائما ؟
إذن فأنت تنام وهو لا ينام . وباللّه هل هذه عبودية تذلّنا أو تعزنا ؟ إنها عبودية تعزنا ؛ فالذي نعبده يقول : ناموا أنتم ؛ لأننى لا تأخذنى سنة ولا نوم . وإياك أن تفهم أنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، وأن شيئا في كونه يخرج على مراده ، لا ؛ لأن كل ما في السماوات والأرض له ، فلا شئ ولا أحد يخرج عن قدرته . ولذلك يقول الحق :
« لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »
.
ويتابع سبحانه بقوله :
« مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ »
إنّه سبحانه وتعالى يوضح : أنا أعطيتك الراحة في الدنيا ، وحتى الكافر جعلته يتنعم بنعمى ، ولم أجعل الأسباب تضن عليه ، وأعطيته ما دام قد اجتهد في تلك الأسباب مما يدل على أنني ليس عندي محاباة ، قلت للأسباب : يا أسباب من يحسنك يأخذك ولو كان