حين يريدون وضعا من الأوضاع لا يريدون الرجل المناسب للموقف ، ولكن يريدون الرجل المناسب لنفوسهم ، بدليل قولهم :
« أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ »
.
وهل الملك يأتي غطرسة أو كبرياء ؟ وما دام طالوت رجلا من غمار الناس فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضع قضية كل مؤمن وهي أنك حين تريد الاختيار فإياك أن يغشك حسب أو نسب أو جاه ، ولكن اختر الأصلح من أهل الخبرة لا من أهل الثقة . لقد تناسوا أن القضية التي طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين : رجل جسيم ورجل عليم ، واللّه اختار لهم طالوت رجلا جسيما وعليما معا .
وعندما نتأمل سياق الآيات فإننا نجد أن اللّه قال لهم في البداية :
« بَعَثَ لَكُمْ »
حتى لا يحرج أحدا منهم في أن طالوت أفضل منه ، ولكن عندما حدث لجاج قال لهم :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ »
وهو بهذا القول يؤكد إنه لا يوجد فيكم من أهل البسطة والجسامة من يتمتع بصفة العلم . وكذلك لا يوجد من أهل العلم فيكم من يتمتع بالبسطة والجسامة
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ »
.
وكان يجب أن يستقبلوا اصطفاء اللّه طالوت للملك بالقبول والرضى فما بالك وقد زاده بسطة في العلم والجسم ؟
والبسطة في العلم والجسم هي المؤهلات التي تناسب المهمة التي أرادوا من أجلها ملكا لهم . ولذلك يقول الحق :
« وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ »
وكأن الحق يقول لهم :
لا تظنوا أنكم أنتم الذين ترشحون لنا الملك المناسب ، يكفيكم أنكم طلبتم أن أرسل لكم ملكا فاتركونى بمقاييسى أختر الملك المناسب .
ويختم الحق الآية بقوله :
« وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ »
أي عنده لكل مقام مقال ، ولكل موقع رجل ، وهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذه المهمة . ومن يصلح لتلك ، لا عن ضيق أو قلة رجال ، ولكن عن سعة وعلم .
لقد استقبلوا هذا الاختيار الإلهى باللجاج ، واللجاج نوع من العناد ولا ينهيه