هم الذين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا . وكان يكفى - إذن - أن يختار نبيهم شخصا ويوليه الملك عليهم . لكن نبيهم أراد أن يغرس الاحترام منهم في المبعوث كملك لهم . لقد قال لهم :
« إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً »
. والنبي القائل ذلك ينتمى إليهم ، وهو منهم ، وعندما طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا كانوا يعلمون أنه مأمون على ذلك .
ويتجلى أدب النبوة في التلقي ، فقال :
« إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً »
.
إنه يريد أن يطمئنهم على أن مسألة اختيار طالوت كملك ليست منه ؛ لأنه بشر مثلهم ، وهو يريد أن ينحى قضيته البشرية عن هذا الموضوع ، فقال : إن اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا » . فماذا كان ردهم ؟
« قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ »
. وهذه بداية التلكؤ واللجاجة ونقل لأمر إلى مسألة ليست من قضايا الدين .
إنهم يريدون الوجاهة والغنى . وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم ، لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم في الحرب . إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ولصالحهم ، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم ؟
شئ آخر نفهمه من قولهم :
« أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا »
، إن طالوت هذا لم يكن من الشخصيات المشار إليها ، فمن العادة حين يحزب الأمر في جماعة من الجماعات أن تفكر فيمن يقود ، فعادة ما يكون هناك عدد من الشخصيات اللامعة التي يدور التفكير حولها ، وتظن الجماعة أنه من الممكن أن يقع على واحد منهم الاختيار ، وكان اختيار السماء لطالوت على عكس ما توقعت تلك الجماعة . لقد جاء طالوت من غمار القوم بدليل أنهم قالوا :
« أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ »
أي لم يؤت الملك من قبل .
ولقد كانوا ينتمون إلى نسلين : نسل أخذ النبوة وهو نسل بنيامين ، ونسل أخذ الملوكية وهو نسل لاوى بن يعقوب . فلما قال لهم :
« إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً »
، بدأوا يبحثون عن صحيفة النسب الخاصة به فلم يجدوه منتميا لا لهذا ولا لذاك ، ولذلك قالوا :
« أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا »
. وهذا يدلنا على أن الناس