تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1043

مساهمون:

ص١٠٤٣
الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قال لنبي بني إسرائيل : أنتم الذين طلبتم القتال وأنتم الملأ - أي أشراف القوم - وأتيتم بالعلة الموجبة للقتال وهي أنكم أخرجتم من دياركم وأبنائكم أي بلغ بكم الهوان أنه لم تعد لكم ديار ، وبلغ بكم الهوان أنه لم يعد لكم أبناء بعد أن أسرهم عدوكم . إذن علة طلب القتال موجودة ، ومع ذلك قال لهم النبي :
« هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا »
لقد أوضح لهم نبيهم الشرط وقال : إنني أخاف أن آتى لكم بملك كي تقاتلوا في سبيل اللّه ، وبعد ذلك يفرض اللّه عليكم القتال ، وعندما نأتى للأمر الواقع لا نجد لكم عزما على القتال وتتخاذلون . لكنهم قالوا :
« وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا »
. . انظر إلى الدقة في قولهم :
« فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
وتعليق ذلك السبيل على أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ! لقد أرادوا أن يقلبوا المسألة وأن يقولوا : إن القتال في سبيل اللّه بعد أن عضتهم التجربة فيما يحبون من الديار والأبناء ، إذن فاللّه هو الملجأ في كل أمر ، وقبل سبحانه منهم قولهم ، واعتبر قتالهم في سبيله . وكان إخراجهم من ديارهم أمرا معقولا ، لكن كيف يخرجون من أبنائهم ؟ ربما كانوا قد تركوا أبناءهم للعدو ، وربما أخذهم العدو أسرى . لكنهم هم الذين أخرجوا من ديارهم ، وينطبق عليهم في علاقتهم بالأبناء قول الشاعر :
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا * ألا تفارقهم فالراحلون همو
وانظر إلى التمحيص ، إنهم ملأ من بني إسرائيل وذهبوا إلى نبي وقالوا له : ابعث لنا ملكا حتى يجعلوها حربا مشروعة ليقاتلوا في سبيل اللّه ، وقال لهم النبي ما قال وردوا عليه هم :
« وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
يعنى وكيف لا نقاتل في سبيل اللّه ؟ وجاء لهم الأمر بالقتال في قوله تعالى :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا »
إن قوله : « كتب » لأنهم هم الذين طلبوا تشريع القتال فجعلهم اللّه داخلين في العقد فجاء
تفسير الشعراوي — صفحة 1043 | محمد متولي الشعراوي