ولننظر إلى تذييل الآية حين يقول الحق :
« إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ »
. وما الفضل ؟ إنه أن تتلقى عطاء يزيد على حاجتك . والحق سبحانه وتعالى لا يعطى الناس فقط على قدر حاجتهم إنما يعطيهم ما هو أكثر من حاجتهم . إذن فلو مات هؤلاء القوم الذين خرجوا من ديارهم خوفا من وباء أو عدو لكان هذا الموت فضلا من عند اللّه ؛ لأنهم لو ماتوا بالوباء لماتوا شهداء ، وهذا فضل من اللّه . ولو ماتوا في لقاء عدو وحاربوا في سبيل اللّه لنالوا الشهادة أيضا ، وذلك فضل من اللّه .
لماذا يكون مثل هذا الموت فضلا من اللّه ؟ لأننا جميعا سوف نموت ، فإن مات الإنسان استشهادا في سبيله فهذا عطاء زائد . لكن أكثر الناس لا يشكرون ؛ لأنهم لا يعلمون مدى النعمة فيما يجريه الحق سبحانه وتعالى عليهم من أمور ؛ لأن الناس لو علمت مدى النعمة فيما يجريه الحق عليهم من أحدث بما فيها الإحياء والأماتة ، لشكروا اللّه على كل ما يجريه عليهم ، فالحق سبحانه وتعالى لا يجرى على البشر ، وهم من صنعته إلا ما يصلح هذه الصنعة ، وإلا ما هو خير لهذه الصنعة .
لقد استبقى الحق سبحانه هذه العبرة بما أجراه على بعض من بني إسرائيل لنرى أن القتال في سبيل اللّه هو من نعم اللّه على العباد ، فلا مهرب من قضاء اللّه . وها هو ذا الشاعر العربي يقول :
ألا أيها الزاجرى أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي * فدعني أبادرها بما ملكت يدي
إن الشاعر يسأل من يوجه له الدعوة لا إلى القتال ، ولكن إلى الاستمتاع بملذات الحياة قائلا : ما دمت لا تملك لي خلودا في هذه الحياة ولا أنت بقادر على رد الموت عنى فدعني أقاتل في سبيل اللّه بما تملكه يداى .
وبعد الحديث عن محاولة هرب بعض من بني إسرائيل من قدر اللّه فأجرى عليهم الموت تسخيرا وأعادهم إلى الحياة تسخيرا ، وهذا درس واضح للمؤمنين الذين سيأتي