تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
أي أن اللّه حين يشاء يعطل القوة المحركة لأي شئ فهو سبحانه يفعل . أما عن معنى الريح كرائحة فنحن نجده في قوله الحق :
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
( من الآية 94 سورة يوسف ) إن يعقوب والد يوسف عليهما السّلام كان يملك حاسة شم قوية ، فعندما خرجت القافلة من مصر ، قال والده : إني أشم رائحة يوسف . وفي الريف نحن نسمع من يقول : « سأنتقم من فلان ولا أجعل له ريحة في الأرض » ، ويقصد أنه لن يجعل له أثرا في الأرض ، ولماذا استخدم هنا كلمة الرائحة ؟ . لقد ثبت حديثا فقط أن الرائحة هي أبقى الآثار بالنسبة إلى الكائن الحي ، بدليل أن الذين عندهم حاسة الشم قوية من الكائنات كالكلاب البوليسية يستدلون برائحة الجاني على مكان وجوده ، كأن الجاني يترك أثرا لرائحته في مكان الجريمة ، وكل ما هو مطلوب أن يوجد من له حاسة شم قوية ليستدل عليه . والحق سبحانه وتعالى أعطانا العقل ، ولكنه أبقى لبعض منا ولغير العاقل ما لا تستطيع أغلبيتنا أن تصل إليه ، وأصبح الكلب الذي هو حيوان بهيم أعجم يستدل على أشياء لا نستطيع نحن أن نستدل عليها ، لأنه لا يزال في عالم الحس فقط ، بينما الإنسان أخذ جانبا من عالم الحس . وجانبا من العقل . وقوله الحق :
« وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها »
فهل يعنى هذا القول أن الماء في السماء ؟ . لا . إن الماء أصله في الأرض ، لكن ماء الأرض الثابت لا ينفع لرينا ولا لرى زرعنا إنه ملح أجاج مرّ ، والذي يوجد على الأرض منه هو مخزون فقط ، ولذلك وضع اللّه له المواد الكيماوية التي تجعله لا يفسد ولا تتغير صفاته وطبيعته ، ثم تتسع رقعة الماء على قدر اليابس ثلاث مرات ، لماذا ؟ . لأن اللّه يريد أن تتسع صفخة الماء اتساعا يجعل للبخر مصادر كبيرة واسعة ، هذا البخر هو عملية التقطير الإلهى .
تفسير الشعراوي — صفحة 689 | محمد متولي الشعراوي