تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 932

مساهمون:

ص٩٣٢
رجع إلى الإيمان لأن اللّه قال :
« فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ »
فمعنى ذلك أنه إن لم يمت على الكفر فإن عمله لا يحبط . ولكن لا يأخذ ثوابا على ذلك الحج الذي سبق له أن أداه ، لقد التفت الإمام الشافعي رضى اللّه عنه إلى شئ قد يغفل عنه كثير من الناس ، وهو أن الحج ركن من أركان الإسلام ، فالذي لا يحج وهو قادر على الحج فاللّه يعاقبه على تقصيره ، والذي حج لا يعاقب ويأخذ ثواب فعله . فكأن الأعمال التي طلبها الحق سبحانه وتعالى إن لم تفعلها وكانت في استطاعتك عوقبت ، وإن فعلتها يمر عملك بمرحلتين ، المرحلة الأولى هي ألا تعاقب ، والمرحلة الثانية هي أن تثاب على الفعل . فالشافعي قال : إن الشخص إذا فعل فعلا يثاب عليه الإنسان ، ثم كفر ، ثم عاد إلى الإسلام فهو لا يعاقب ، ولكنه لا يثاب . أما الإمام أبو حنيفة فقد قال : إنه لا عبرة بعمله الذي سبق الردة مصداقا لقوله تعالى :
« حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ »
أي أبطلت وزالت ، وكأنها لم تكن . إنّ القرآن استخدم هنا كلمة « حبط » ، وهي تستخدم تعبيرا عن الأمر المحسوس ، فيقال : « حبطت الماشية » أي أصابها مرض اسمه الحباط ، لأنها تأكل لونا من الطعام تنتفخ به ، وعندما تنتفخ فقد تموت . والنبي عليه الصلاة والسّلام يقول : « إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم » « 1 » . إنه صلّى اللّه عليه وسلّم يحذرنا من أن الخير قد يندس فيه شر ، مثلما يحدث في الربيع الذي ينبت فيه من النبات الذي يعجب الماشية فتأكله فيأتيها مرض « الحباط » ، فتنتفخ ثم تموت ، أو « يلم » أي توشك أن تموت ، وكذلك الأعمال التي فعلها الكفار تصبح ظاهرة مثل انتفاخ البطن ، وكل هذه العمليات الباطلة ستحبط كما تحبط الماشية التي أكلت هذا اللون من الخضر ، ثم انتفخت فيظن المشاهد لها أنها سمنة ؛ وبعد ذلك يفاجأ بأنه مرض ، لقد أعطانا اللّه من هذا القول المعنى المحسوس لتشابه الصورتين ؛ فالماشية عندما تحبط تبدو وكأنها نمت وسمنت ، لكنه نمو غير طبيعي إنه ليس شحما أو لحما ، لكنه ورم ، كذلك عمل الذين كفروا ؛ عمل حابط ، وإن بدا أنهم قد قاموا بأعمال ضخمة في ظاهرها أنها طيبة وحسنة .
هامش
( 1 ) رواه البخاري والترمذي وابن ماجة .